مخزون الأردن الاستراتيجي آمن

16

د.رعد محمود التل

لمخزون الاستراتيجي في الاردن هو أحد أهم أدوات الاستقرار الاقتصادي والذي يختبر قدرتنا على تأمين كافة الاحتياجات في بيئة إقليمية شديدة التعقيد بملفين رئيسيين: الأول ملف الطاقة والثاني الغذاء، ولأن الاردن يعتمد بشكل كبير على الاستيراد يبرز السؤال الاهم الذي يتخطى توفير الطاقة والغذاء كسلع متاحه الى القدرة على إدارة الصدمات واحتوائها أمام كل هذه التوترات المتصاعدة في المنطقة!.

 

يترأس جلالة الملك اجتماعا هاماً الاسبوع الماضي في المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات، يتمحور حول ثلاث نقاط هي جوهرالموضوع، أولاً: ضرورة الاستعداد لأي طارئ وإعداد خطط استجابة سريعة، ثانياً: ضمان توافر السلع الأساسية عبر مخزون آمن وسلاسل إمداد مستدامة. ثالثاً: ضمان توفر الإمدادات الكافية من احتياجات الطاقة والمواد الأولية، لضبط الأسواق ومنع التلاعب بالأسعار!

بصورة عامة تظهر الأرقام مستوى مريحاً من الجاهزية على صعيد الأمن الغذائي، فمخزون القمح يغطي ما بين خمسة إلى ستة أشهر، وترتفع هذه المدة إلى نحو تسعة أشهر مع التعاقدات المسبقة، فيما يكفي مخزون الشعير لنحو ثمانية أشهر. كما تتوفر السلع الغذائية الأساسية الأخرى لفترات تتراوح بين ثلاثة وأربعة أشهر. هذه المستويات لا تعني وبكل تأكيد توفر الغذاء فقط، بل تعكس أيضاً قدرة حقيقية على امتصاص أي اضطرابات مفاجئة في الأسواق العالمية.

ما المهم بوجود هذا المخزون؟ ببساطه هو أداه فاعله في إدارة السوق عند حدوث أي اختلال، فمن خلاله تستطيع التدخل فوراً لضخ كميات اضافية للمحافظة، ما يمنع من حدوث نقص في السلع ويمتص قدر المستطاع الارتفاعات الحادة في الأسعار، والأهم هو كبح أي سلوك احتكاري في السوق.

ماذا عن قطاع الطاقة خاصة مع انقطاع إمدادات الغاز؟ تحديات هذا الملف أكثر تعقيداً إلا أن الاستجابة كانت سريعة، حيث تم تفعيل خطط الطوارئ والانتقال إلى بدائل مثل الغاز المسال والديزل والوقود الثقيل رغم الكلفة المرتفعة، التي تصل إلى نحو 1.8 مليون دينار يومياً. والسماح لشركة الكهرباء الوطنية باستخدام المخزون الاستراتيجي للدولة لضمان استمرارية التيار الكهربائي في الحالات الطارئة، كل ذلك سينعكس بالتأكيد على القطاع الصناعي من حيث استقرار كلف الإنتاج قدر المستطاع مما يحافظ على تنافسية المنتجات الأردنية في الأسواق المحلية والتصدير، وبحسب وزارة الطاقة فإن مخزون المشتقات النفطية يكفي لنحو 30 يوماً، بينما يصل مخزون البنزين إلى نحو 90 يوماً، ما يوفر هامش أمان إضافياً في أحد أكثر المشتقات استخداماً.

كما هو الحال بسوق الغذاء لا يقتصر دور هذا المخزون على ضمان التزويد، بل يمتد ليكون أداة لإدارة الأسعار، فالمشتقات التي تم شراؤها بأسعار سابقة تسمح بتأخير انتقال الارتفاعات العالمية إلى السوق المحلي، ما يمنح صانع القرار مساحة زمنية للتعامل مع الأزمة. كما يساهم هذا في استقرار كلف الإنتاج للقطاع الصناعي، والحفاظ على تنافسية الصادرات.

لاشك بأن حزمة القرارات التي اتخذتها الحكومة الإجراءات التحوطية ستساعد بامتصاص صدمة الارتفاع بأسعار الطاقة والغذاء أكثر وأكثر، حيث سمحت بتعدد قنوات استيراد الوقود، واستخدام المخزون الاستراتيجي بمرونة، وإعفاء مستوردات قطاع الكهرباء من بعض الضرائب والرسوم، بهدف كبح التكاليف ومنع انعكاسها بسرعة على المستهلك. طبعاً إحدى أبرز الأوليات في الوقت الحالي هو استقرار التيار الكهربائي محلياً وإبعاده قدر المستطاع عن تقلبات أسعار الطاقة عالمياً، وهو عامل حاسم لاستمرارية عمل القطاعات الإنتاجية، خاصة الصناعات التي تعتمد على التشغيل المستمر.

ورغم هذه الجاهزية، لا يمكن تجاهل التحديات الخارجية فارتفاع أسعار النفط، وزيادة كلف الشحن، وفرض ما يعرف بـ”تأمينات الحرب”، كلها عوامل تضغط على كلفة الاستيراد. كما أن الاضطراب الحالي في الممرات المائية الحيوية مثل مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو ربع تجارة النفط العالمية، يشكل خطراً مباشراً على استقرار الأسواق، فماذا لو اغلق مضيق باب المندب أيضاً؟.

مجدداً، المخزون الاستراتيجي يمكن أن يلعب دور”خط الدفاع الأول” في حماية الأسعار، من خلال منع النقص وكبح الارتفاعات المفاجئة، لكنه بكل تأكيد لا يستطيع عزل الاقتصاد بالكامل عن موجات التضخم العالمية، خاصة إذا طال أمد الأزمات. فالمخزون يؤخر الصدمه ويجعلها متدرجه بدلاً من أن تكون صدمة مفاجئة، وهو ما يعد عاملاً حاسماً في الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي خلال الأزمات.

لكن هذه الأداة وبرغم أهميتها، ليست حلاً دائماً، فمع طول أمد الأزمات، وارتفاع كلف إمداد المخزون، ستظهر الضغوط التضخمية تدريجياً. وهنا تكمن أهمية الاستمرار في سياسات التحوط وتنويع البدائل (ماذا عن سياسات تمكين الطاقة الشمسية في كل بيت ومصنع؟) وتوسيع خيارات الاستيراد، لضمان بقاء الاقتصاد الأردني قادراً على الصمود في بيئة اقليمية غير مستقرة!.

قد يعجبك ايضا