الاصطفاف العشوائي يجتاح الطرقات
رغد البطيخي
أصبحت مشكلة اصطفاف المركبات في الأماكن غير المسموح بها من أبرز أسبابأزمات السير، بل وأحيانًا الحوادث المرورية.
مشهد يتكرر كل يوم: مركبة تغلق دوارًا، أو تسد مسربًا، أو تحتل طريقًا كاملًا وكأنالطريق ملك خاص. وهنا يبدأ “المسلسل” المعتاد… وابل من الزوامير، أصوات مرتفعة،توتر متصاعد، وربما تنتهي القصة باشتباك بالأيدي.
السؤال الذي يفرض نفسه: من المسؤول؟
هل يتحمل المواطن وحده هذه الفوضى؟ أم أن المسؤولية مشتركة بينه وبين شرطةالسير، والبنية التحتية، وغياب المواقف المخصصة للاصطفاف؟
يقول أحد السائقين:
“هل سمعتم يومًا عن شخص يصطف داخل دوار، ويغادر مركبته بكل هدوء وكأنالدوار ملكه الخاص؟ ألا يدرك أنه تسبب بأزمة سير لا توصف؟ المشكلة أنه يعود بعدربع ساعة، يركب سيارته، ويمضي وكأن شيئًا لم يكن!”
وآخر أغلق مسربًا كاملًا بسيارته، واختفى لساعات، دون أدنى شعور بالمسؤولية تجاه ماسببه من شجار بين السائقين وتعطيل لحركة الناس.
وتروي إحداهن:
“خرجت من عملي مسرعة، أريد الذهاب إلى المشفى لرؤية والدي المريض، فإذابسيارة تقف عائقًا أمام سيارتي وتمنعني من التحرك. لم أتمالك نفسي وبدأت أطلقالزامور دون توقف. بعد عشر دقائق جاء صاحب المركبة معتذرًا، لكن صوتي كان قدارتفع، والناس تجمعت من حولنا…”
وأخرى تقول:
“أردت أن أقف أمام السوبرماركت لشراء بعض المستلزمات، لكن شرطي السير منعني. تساءلت: أليس هذا الموقف مخصصًا للمحل؟ لم أناقش كثيرًا… غادرت إلى مكانآخر.”
قصص نسمعها يوميًا، أو نعيشها، أو نشهدها بأعيننا. والمشهد ذاته يتكرر… والنتيجةواحدة: ازدحام، أعصاب مشدودة، واحتقان متزايد.
تؤكد الدراسات أن الاصطفاف العشوائي يقلل من سعة الطريق ويزيد أوقات الانتظار،خصوصًا في المناطق التجارية والشوارع الضيقة. وتشير دراسة أردنية حديثة إلى أن كلمركبة تقف في غير مكانها تضيف عبئًا إضافيًا إلى أزمة السير اليومية.
لكن تحميل المواطن المسؤولية وحده لا يكفي، فالحكومة والبنية التحتية تتحملانجزءًا لا يمكن تجاهله من هذه الأزمة. في كثير من المناطق، يعاني السائقون من نقصواضح في المواقف المخصصة، خاصة في الأسواق والشوارع الحيوية. محلات تجاريةدون مواقف كافية، شوارع ضيقة لم تُصمم لاستيعاب هذا العدد من المركبات، وغيابحلول حديثة مثل مواقف الطوابق أو التنظيم الذكي للاصطفاف… كلها عوامل تدفعنحو الفوضى، حتى لو لم تكن مبررًا لها.
كما أن ضعف الرقابة أحيانًا، أو عدم استمراريتها، يخلق شعورًا لدى البعض بأنالمخالفة “ممكنة” ولن تُحاسب. فحين يغيب الردع، يتحول الخطأ إلى سلوك متكرر.
الحكومة مطالبة بدور أكبر، لا يقتصر على المخالفات، بل يشمل تحسين تخطيطالطرق، وإنشاء مواقف كافية ومنظمة، وتفعيل الرقابة بشكل مستمر، وإيجاد حلولذكية تخفف الضغط عن المناطق المكتظة.
يبقى أن الحقيقة لا يمكن تجاهلها: الأزمة ليست مسؤولية طرف واحد، بل هي نتيجةخلل في السلوك، والتخطيط، والرقابة معًا. فكما أن السائق مطالب بالالتزام، فإنالجهات المعنية مطالبة بتوفير بيئة مرورية عادلة ومنظمة.
في النهاية، الطريق ليس ملكًا لأحد، والدوار ليس موقفًا خاصًا، والمسرب ليس مساحةمؤقتة لقضاء “مشوار سريع”. إن لم يبدأ الالتزام من الفرد، فلن تنجح أي قوانين، وإنلم تُوفَّر بيئة مناسبة، سيبقى الالتزام ناقصًا.
التغيير لا يبدأ من الشارع… بل من الإنسان.