‎ماذا لو انتهت بسرعة.. وغيرت شكل المنطقة؟

9

مكرم أحمد الطراونة

حجم الدمار الذي ستخلّفه الحرب الدائرة اليوم، ليس أهم ما سينتج عنها، وإنما مايمكن أن تخلفه من تحولات عميقة في بنية الإقليم. الحروب التي تنتهي بسرعة أكثرقدرة على إعادة تشكيل الخرائط من الحروب الطويلة، فالحسم السريع يخلق فراغاتمفاجئة، ويفتح شهية لاعبين جدد، ويدفع دولا إلى إعادة تعريف مصالحها وأولوياتها.

 السيناريو الأول المطروح يتمثل في خروج إيران أضعف بفعل الضربات والاستنزافلقدراتها العسكرية والاقتصادية. هذه الحالة ستنتج فراغا كبيرا، خصوصا في بعضالبلدان التي شكل فيها النفوذ الإيراني محركا أساسيا للسياسة الداخلية والخارجية،وبالتالي سيبحث آخرون عن ملئه.

قد نشهد حراكا متسارعا لقوى إقليمية تسعى لتثبيت موطئ قدم أو توسيع هامشتأثيرها، ومن الطبيعي أن تتحرك دول مثل تركيا لتعزيز حضورها في المشهد الإقليمي،وربما تسعى السعودية إلى لعب دور أكبر في العراق ولبنان، وفي اليمن التي ستشهدانحسارا للهيمنة الحوثية

إسرائيل بدورها، قد تسعى لتثبيت معادلة ردع جديدة تمنع عودة التهديد من أي جهة. أما الولايات المتحدة، فستجد نفسها أمام خيار استثمار النتيجة لتكريس ترتيبات أمنيةجديدة، أو الاكتفاء بإدارة توازنات تمنع الانفلات.

هذا السيناريو لا ينتج استقرارا تلقائيا، فالتهديدات الأمنية قد تعود لبعض الساحاتبتنافس قوى محلية مدعومة من أطراف إقليمية متباينة. التجربة الإقليمية خلالالعقدين الماضيين أثبتت أن انهيار التوازنات القائمة قد تفتح الباب أمام صراعاتفرعية غير محسوبة، وهو أخطر ما قد يحدث، لأنه يسمح للفوضى بالتدفق وفرضخياراتها على دول الإقليم.

السيناريو الثاني لا يقل تعقيدا، وهو أن يصمد النظام الإيراني ويخرج أكثر تشددا، مايعزز لديه النزعة الراديكالية، فيتكرس خطاب المواجهة المفتوحة.

في هذه الحالة ستزداد الضغوط على الدول التي اختارت تاريخيا سياسة التوازن وعدمالانخراط في محاور حادة، وسيرتفع منسوب الاستقطاب، وتضيق مساحة المناورة أمامالدول الصغيرة والمتوسطة، ما يضطرها إلى اتخاذ مواقف أكثر وضوحا مما تفضلهحساباتها التقليدية.

الحساب الأردني في الحالتين، لا يتوقف عند الميدان العسكري، فالمسألة الأهم تتعلقبطبيعة النظام الإقليمي القادم، إن كان شرق أوسط متعدد الأقطاب تتوزع فيه القوةبين عواصم عدة، ليخلق فرصا للموازنة الذكية، أو مرحلة ردع طويل الأمد تتعايش فيهاالأطراف وسط توتر دائم منخفض الحدة. كلا النموذجين له حساباته الخاصة من حيثالفرص والكلف، فالثبات في بيئة متحركة قد يعني التراجع، لكن الحركة غير المحسوبةقد تكلف أكثر مما تحتمل دولة محدودة الموارد.

بالنسبة للأردن، فإن معيار التقييم لا يقوم على هوية الطرف المتراجع أو المتقدم، بلعلى مستوى الاستقرار المتحقق على حدوده. الفوضى، أيا كان مصدرها، أخطر منخصم واضح المعالم يمكن توقع سلوكه.

داخليا، هناك همّ كبير، فالأردن بنى صورته كبلد استقرار في محيط مشتعل، وهي صورةتتعدى الشعار السياسي نحو الرصيد الاقتصادي الذي ينعكس على قرارات المستثمرينوالسياح والشركاء الدوليين، وبالتالي لا يريد أي اهتزاز قد يؤثر في هذه الصورة.

الإعلام يشكل ساحة أخرى للمواجهة، والحاجة إلى خطاب إعلامي قوي تبدو اليوم أكثرإلحاحا، في فضاء رقمي تصاغ فيه الروايات قبل أن تتضح الوقائع. إدارة الخطاب،وحماية الجبهة الداخلية من الاستقطاب الحاد أو التضليل، جزء لا يتجزأ من الحساباتالإستراتيجية لأيّ دولة تسعى للحفاظ على توازنها، من خلال خطاب عقلاني يشرحمواقفها بوضوح، ويمنع إسقاط صراعات الآخرين على نسيجها الداخلي، وهو ما يحتاجهالأردن منذ فترة طويلة. ينبغي أن يكون مبادرا بالخطاب الإعلامي، لا أن ينتظر لتكونخطواته مجرد ردود أفعال على خطاب الآخرين.

الأردن لا يحسب كلفة الحرب الجارية فحسب، بل كلف نتائجها المحتملة، ففي إقليماعتاد التحولات المفاجئة، تصبح القدرة على التكيف السريع، من دون التفريطبالثوابت، هي المعادلة الأصعب والأكثر ضرورة.الغد

قد يعجبك ايضا