التكامل العربي بين الحتمية والإرادة الغائبة

11

نادية سعدالدين

تتوفر العديد من المحفزات الدافعة لتعزيز الأنماط التعاونية داخل النظام الإقليمي العربي صوب تحقيق التكامل المطلوب بشدة في ظل مرحلة حرجة تتكاثر فيها خطط التغيير والتصفية الخارجية المذمومة، أسوة بمشروع «الشرق الأوسط الجديد» بنسخته الأميركية الصهيونية العاتية، ما يجعلها سبباً وجيهاً لنبذ الخلافات جانباً وتغليب المصالح الجمعية لمواجهة التحديات المُحدقة بالمنطقة.

 


ولدى رصد المتطلبات الأساسية لحدوث التكامل «Integration» بين الدول العربيةسبيلاً لضمان نجاحه واستمراريته، نراها زاخرة، نظرياً على الأقل، كقاعدة قوية يمكنالبناء عليها لتحقيقه، تبعاً لمنظوره الذي يُعد إحدى الجذور الفكرية لمفهوم النظمالإقليمية في أدبيات العلاقات الدولية، التي طور أساسها النظري كل من «لويسكانتوري» و»ستيفن شبيجل» (أكاديميان أميركيان بارزان) وبرز الاهتمام بها إثرمتغيرات الحرب الباردة وظهور ما يُعرف بالإقليمية الجديدة «New Regionalism» فيما بعد، كما تعبر عنها ظاهرة الكتل الاقتصادية، وذلك بما وفره، لاسيما التكاملالإقليمي منه، من مرجعية سياسية معتبرة انعكست فعلياً في انتشار الأفكار والتجاربالتكاملية المُجسدة له.

 

ومن أبرز تلك المتطلبات التي من دونها يكون التكامل صعب المنال؛ التقارب الجغرافي،التشابه في النظم السياسية، قاعدة جماهيرية مُشجعة، التجانس الثقافي والتشاركالقيمي «Value Sharing»، الخبرة المتشابهة في التطور التاريخي والاجتماعي، مستوىمتقارب في القدرات العسكرية والاقتصادية والمؤسسات الإدارية، المصالح الجمعية،توفر علاقات ودية واتفاق مشترك على أهداف السياسة الخارجية، بما يخلق دافعالتكامل لدى أطرافه.


وثمة من يُضيف مستلزمات جدية التزام الأطراف بواجباتها التكاملية، تسوية المنازعاتبالطرق السلمية، توفر الإطار البنيوي الجمعي الذي تتخذ في سياق وحداته القراراتالمشتركة، توقعات نيل المكاسب المتبادلة، أي جني ثمار التكامل، عدا رد الخطروالتهديد الخارجي أو ما يسمى «المؤثرات الخارجية» External Influences التيتشكل حافزاً مهماً للأطراف التي تشعر بها أو تدرك إرهاصاتها لولوج التكامل المنشود.


أما صاحب الأثر البارز في نظريات التكامل المعاصرة «ديفيد ميتراني» فيركز على مبدأ«التدفق الانتشاري» Ramification الذي يقصد به أن نجاح العملية التكاملية في أحدميادين التعاون سيخلق تعاوناً في قطاعات أخرى، يؤدي بدوره إلى انتشار أوسع لحراكالتكامل عن طريق التدفق التكاملي الحاصل بالانتقال من قطاع لآخر، عملاً بتوسيعنطاق التجربة إزاء تشابك التعاون بالقطاعات الفنية المختلفة.


وللتكامل بين الدول العربية فوائد جمة؛ تتمثل في:


أولاً: الأمن الجماعي؛ يتحقق عند اعتماد ترتيبات أمنية جمعية من قبل الأطرافالمنضوية في إطار التعاون التكاملي واتخاذ قرارات متعلقة بأمنها المشترك، عبرالتخطيط والتنفيذ والقيادة المشتركة، وتجميع الموارد لردع عدوان قد تتعرض له أيدولة منهم من جهة خارجية، بما يسمى «الدفاع المشترك» أو الضمان الجماعي»،بهدف التماسك الاجتماعي وحماية المصالح والقيم الجمعية ضد التهديداتالخارجية


ثانياً: حل المنازعات بالطرق السلمية؛ عند إدراك ضرورة تغليب علاقات التعاون علىالصراع، واستبعاد الوسائل العسكرية في حل الخلافات وإعطاء الأولوية للطرقالسلمية، بهدف الحفاظ على المصالح المشتركة، وذلك عبر تحقيق ترتيبات «أمنتعاوني» لتسوية المنازعات، أو إدارتها على الأقل، داخل النظام الإقليمي العربي. غير أنذلك يتوقف على حجم المصالح المشتركة ودرجة التماسك الإقليمي.


ثالثاً: السياسة الخارجية المشتركة؛ عبر تطوير دور المؤسسة الإقليمية من خانةالاجتماعات التقليدية المصاحبة في ختامها لإصدار إما بيانات معبرة عن وجهة نظرالدول المنضوية في الإطار التعاوني، أو تصريحات منفردة، رغم أهميتها، إلى سياقاستكشاف نقاط الالتقاء بين الدول الأعضاء وصياغتها في شكل توجهات وسياساتعامة تعكس السياسة الخارجية المشتركة.


رابعاً: التكامل الاقتصادي؛ ويتجسد من خلال إقامة الأسواق الاقتصادية المشتركةبهدف تعزيز الطاقات الاقتصادية المتاحة للدول الأطراف في العملية التكاملية، ويتمذلك عبر توحيد التشريعات الضريبية والجمركية وإزالة العوائق أمام التدفق الحرللسلع والخدمات وانسياب حركة العمل ورأس المال بين مختلف مناطق السوقالمشتركة. ويعد عنصر التوقعات الناجمة عن الدور الايجابي للتكامل الاقتصادي فيدعم الاقتصاد الوطني حافزاً لإنجازه.  


ومع ذلك؛ فإن إرادة الانتقال بالتكامل العربي المأمول من الحيز النظري إلى النطاقالنافذ يستدعي أكثر من مجرد «بيئة حاضنة» لضمان نجاح مساره واستمراريته، فيظل غلبة الخلافات والنزاعات البينية على طبيعة علاقات الغد.تعاونية ثنائية أكثر منهاجمعية

قد يعجبك ايضا