الأمن المائي في الأردن… قضية سيادة وأمن وطني ومستقبل الأجيال
المهندسة ميسون الزعبي
لم يعد الأمن المائي في الأردن مجرد تحدٍّ تنموي أو قضية مرتبطة بتوفير احتياجات المواطنين اليومية، بل أصبح قضية سيادة وطنية وأحد أهم مرتكزات الأمن القومي، في ظل ما تشهده المنطقة من تحولات سياسية ومناخية واقتصادية، وما تفرضه ندرة المياه من تحديات متزايدة على استقرار الدول وقدرتها على حماية مواردها ومستقبل شعوبها.
وقد أعاد خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام مجلس الأمة اليوم تسليط الضوء على أهمية القضايا المرتبطة بالأمن الوطني، وفي مقدمتها ضرورة التعامل مع أمن المياه باعتباره أولوية استراتيجية لا تحتمل التأجيل. فالرؤية الملكية تنطلق من حقيقة أساسية مفادها أن حماية الأردن لا تقتصر على حماية حدوده وأرضه واستقراره، وإنما تشمل أيضاً حماية موارده الحيوية، وفي مقدمتها المياه، باعتبارها عنصراً أساسياً من عناصر السيادة الوطنية.
إن الأردن يواجه واحدة من أصعب معادلات الأمن المائي في العالم، إذ يُصنّف ضمن أكثر دول العالم فقراً بالمياه، وتُقدّر حصة الفرد من المياه المتجددة بنحو 61 متراً مكعباً سنوياً، وهي نسبة متدنية للغاية مقارنة بمستويات الفقر المائي العالمية. كما تشير التقديرات إلى أن الاحتياجات المائية السنوية تقترب من 1.4 مليار متر مكعب، في وقت تواجه فيه المملكة عجزاً مائياً كبيراً، الأمر الذي يضع ضغوطاً متزايدة على القطاعات السكانية والزراعية والصناعية.
وتتعدد أسباب هذه الأزمة؛ فهناك الشح الطبيعي في الموارد المائية، وتراجع معدلات الهطول المطري، وارتفاع درجات الحرارة نتيجة التغير المناخي، إلى جانب النمو السكاني واستضافة الأردن لأعداد كبيرة من اللاجئين، وما ترتب على ذلك من زيادة الطلب على المياه. كما يشكل الفاقد المائي الناتج عن التسربات والاعتداءات على الشبكات تحدياً إضافياً يستوجب معالجة جادة ومستدامة.
لكن التحدي الأخطر لا يرتبط فقط بندرة المياه، بل بما يمكن أن يترتب على هذه الندرة من أبعاد سياسية واستراتيجية. فالمياه في منطقتنا لم تعد مجرد مورد طبيعي، بل قد تتحول إلى أداة ضغط سياسي واقتصادي، خصوصاً عندما ترتبط مصادرها بأحواض مائية مشتركة أو باتفاقيات وتفاهمات إقليمية. ومن هنا تبرز أهمية الموقف الأردني الثابت في الدفاع عن حقوقه المائية، ورفض أي محاولة لاستخدام المياه وسيلة للضغط أو المساومة.
وقد عبّر جلالة الملك عبدالله الثاني بوضوح عن هذه الرؤية عندما أكد أن الأمن المائي يقع في صميم الأمن الوطني، وأنه لا مجال للمساومة أو المهادنة في حماية حقوق الأردن المائية. وهي رسالة سياسية واستراتيجية بالغة الأهمية، تؤكد أن حق الأردنيين في المياه ليس موضوعاً قابلاً للتفاوض على حساب مصالحهم الوطنية، وأن حماية هذا الحق مسؤولية وطنية تتطلب عملاً متواصلاً على المستويات السياسية والدبلوماسية والفنية.
وفي هذا السياق، فإن حماية حصة الأردن من مياه نهر اليرموك، وصون مصادر المياه المشتركة، وضمان الالتزام بالاتفاقيات المائية، يجب أن تبقى ضمن أولويات السياسة الخارجية الأردنية. كما ينبغي تعزيز الحضور الدبلوماسي والفني في الملفات المائية الإقليمية، بما يضمن حماية الحقوق التاريخية والقانونية للأردن، وعدم السماح بتحويل المياه إلى ورقة ضغط في العلاقات بين الدول.
وعلى المستوى الداخلي، لا بد من الانتقال من إدارة أزمة المياه إلى بناء منظومة متكاملة للأمن المائي، تقوم على تنويع المصادر، ورفع كفاءة الاستخدام، وتقليل الفاقد، وتعزيز الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة. ويأتي مشروع الناقل الوطني للمياه، الذي يقوم على تحلية مياه البحر الأحمر في العقبة ونقلها إلى مختلف مناطق المملكة، في مقدمة المشاريع الاستراتيجية التي يعوّل عليها الأردن لتعزيز أمنه المائي وتوفير مصدر مستدام للمياه، وتقليل الاعتماد على المصادر التقليدية.
كما تمثل الاستراتيجية الوطنية للمياه 2023-2040 إطاراً مهماً لتطوير القطاع، من خلال تحسين إدارة الموارد، وخفض الفاقد المائي، وتعزيز الحوكمة، وتوسيع مشاريع إعادة استخدام المياه المعالجة، خصوصاً في الزراعة والصناعة، بما يتيح توجيه المياه العذبة نحو الاستخدامات الأكثر أهمية، وفي مقدمتها مياه الشرب.
ولا يقل التعاون الإقليمي والدولي أهمية عن الجهود الوطنية، إذ يحتاج الأردن إلى شراكات استراتيجية مع الدول الشقيقة والصديقة، وفي مقدمتها الدول التي تمتلك الخبرات والتكنولوجيا والقدرات التمويلية في مجالات التحلية وإدارة المياه والطاقة المتجددة. فالأمن المائي الأردني مسؤولية وطنية، لكنه يحتاج أيضاً إلى تعاون دولي قائم على المصالح المشتركة والعدالة في توزيع الموارد واحترام الحقوق المائية.
وفي تقديري، فإن المرحلة المقبلة تتطلب التعامل مع الأمن المائي بعقلية الأمن الوطني الشامل، بحيث لا يقتصر الأمر على تنفيذ المشاريع الكبرى، رغم أهميتها، بل يمتد إلى حماية مصادر المياه الجوفية من الاستنزاف، ومكافحة الاعتداءات على الشبكات، وتحديث البنية التحتية، وتشجيع الاستثمار في تقنيات التحلية والحصاد المائي، وتعزيز الوعي المجتمعي بثقافة ترشيد الاستهلاك.
كما أن مسؤولية الأمن المائي لا تقع على عاتق الحكومة وحدها، بل هي مسؤولية تشاركية تشمل المؤسسات العامة والخاصة والقطاع الزراعي والصناعي والمواطنين، فكل قطرة مياه تمثل قيمة وطنية، وكل جهد يسهم في الحد من الهدر هو مساهمة مباشرة في حماية مستقبل الأردن.
إن الرسالة التي ينبغي أن نستخلصها من التوجيهات الملكية واضحة: لا يمكن الحديث عن أمن وطني مستدام دون أمن مائي مستقر، ولا يمكن حماية حقوق الأجيال القادمة دون امتلاك رؤية استراتيجية طويلة الأمد تضمن استدامة الموارد المائية وتحميها من التهديدات الداخلية والخارجية.
وفي الختام، أرى أن أمن المياه في الأردن يجب أن يكون عنواناً دائماً في القرار السياسي والاقتصادي والدبلوماسي، لا مجرد ملف يظهر عند اشتداد الأزمات. فالمياه ليست سلعة عادية، بل هي حق أساسي للمواطن، وركيزة للاستقرار والتنمية، وجزء لا يتجزأ من سيادة الدولة وكرامتها الوطنية.
فكما نحمي حدود الأردن وأمنه واستقراره، علينا أن نحمي مياهه وحقوقه المائية، لأن معركة الأمن المائي هي في جوهرها معركة حماية الوطن ومستقبل أجياله.