المركبات الكهربائية .. والسلامة العامة

99

د.م. إبراهيم الشخانبة

شهد الشارع الأردني خلال السنوات الثلاث الأخيرة تدفقاً كبيراً وغير مسبوق للمركباتالكهربائية. ورغم الجدوى الاقتصادية والبيئية الواضحة لهذا التحول، إلا أنه فرض واقعاًميدانياً جديداً يتطلب مراجعة فورية لمنظومة السلامة المرورية؛ فالخصائص الفنيةلهذه المركبات تختلف جذرياً عما اعتاده السائق والمشاة في الأردن على مدى عقود.

ومن واقع التجربة والمراقبة الحثيثة لواقع السير، تبرز اليوم ظاهرتان تشكلان خطورةمباشرة على الطرقات:

أولاً: اندفاع العزم الفوري وخلل تقدير المسافات.

تتميز المحركات الكهربائية بقدرتها على التسارع الخاطف واللحظي بمجرد الضغط علىالدواسة. هذا الاندفاع الفجائي يتسبب في خداع بصري للسائقين الآخرين؛ فحين ينظرالسائق في مرآته الخلفية ويشهد المركبة الكهربائية بعيدة، يتخذ قراره بالانعطاف أوالتجاوز بناءً على تقديره التقليدي لسرعة السيارات، ليفاجأ بالمركبة الكهربائية أصبحتبجانبه في أجزاء من الثانية. هذا الخلل في تقدير “زمن الوصول” يتجلى بوضوح عندالدواوير والتقاطعات الحيوية، مما أدى إلى تصاعد حوادث التصادم المفاجئ.

ثانياً: غياب الصوت وضياع التنبيه السمعي للمشاة

تاريخياً، اعتمد المشاة في شوارعنا – وخاصة الأطفال وكبار السن – على حاسة السمعكخط دفاع أول للوعي بالطريق؛ حيث كان ضجيج محركات الوقود ينبّه المشاة بقدومسيارة من خلفه أو خلف المنعطف فيأخذ حيطته. اليوم، ومع صمت المركباتالكهربائية المطبق عند السرعات المنخفضة، يواجه المواطن الذي يسير على جانبالطريق خطر الدهس دون أن يشعر بأي مؤشر صوتي يقترب منه، مما يتطلب تغييراًجذرياً في السلوك البشري للمشاة.

(خارطة طريق أمام المجلس الأعلى للسلامة المرورية)

تستدعي هذه المعطيات تحركاً فورياً من المجلس الأعلى للسلامة المرورية والجهاتالتنفيذية، لوضع ضوابط تشريعية وفنية عاجلة لحماية الأرواح، وتتحدد في المحاورالتالية:

1. إلزامية نظام “النقطة العمياء”: المطالبة بتعديل شروط الاستيراد والجمركة لتكونخاصية تنبيه النقطة العمياء (Blind Spot Detection) مواصفة إلزامية في كافةالمركبات المدخلة حديثاً للمملكة. هذا الجهاز الحساس يعطي إشارة ضوئية حاسمةعلى المرآة تنبّه السائق بوجود سيارة غير مرئية بجانبه، وهو أمر ضروري لحمايةالسائقين عامة والمبتدئين والمبتدئات خاصة من مباغتة التسارع الكهربائي.

2. تنظيم تركيب الأنظمة الصوتية (AVAS): لمعالجة خطر “السيارات الصامتة”، يجبإصدار تعليمات تسمح لمراكز فنية مؤهلة ومحددة بتركيب نظام صوتي اصطناعيتنبيهي للمركبات التي تفتقر  إليه، وفق مواصفات منضبطة تضمن تنبيه المشاة دونإحداث ضوضاء أو فوضى في الشارع العام.

3. تحديث مناهج التدريب والامتحانات: يجب إلزام مراكز تدريب السواقين بإدخالمساقات تشرح الخصائص الفنية للمركبة الكهربائية (قوة العزم الفوري، وتأثير وزنالبطاريات الثقيل على مسافة الكبح)، مع تطوير أسئلة الامتحان النظري والعمليلقياس مدى وعي المتقدمين بكيفية التعامل الآمن معها.

4. ترخيص شركات الشحن الفوري الطارئ: إن تعطل مركبة كهربائية فجأة وسط طريقرئيسي أو مزدحم بسبب نفاد البطارية يشكل عائقاً خطيراً. والحل الأمثل هنا هو إصدارتشريعات لترخيص شركات خاصة تقدم خدمة الشحن الفوري والسريع في موقعالتعطل؛ حيث يُعد هذا الخيار إستراتيجياً وأفضل بكثير من الاستعانة بالونش (Winch)الذي يتطلب وقتاً طويلاً لوصوله وتحميل المركبة، مما يتسبب في إغلاق مساربالطريق وإحداث أزمات سير خانقة وشلل مروري.

خلاصة القول:

إن مواكبة التطور التكنولوجي في قطاع النقل لا تعني إغفال معايير الأمان. الواقعالجديد يضعنا أمام مسؤولية تحديث أدواتنا الرقابية والتوعوية، لضمان بيئة مروريةأردنية آمنة تحمي السائق والمشاة على حد سواء.الرأي

* خبير سلامة النقل والسلامة المرورية، والمحاضر السابق في معهد المرور الأردني

قد يعجبك ايضا