في منتدى العصرية.. د. وليد سالم: القدس تقاوم بصمت
العقبة الإخباري– استضاف( منتدى العصرية) بمجمع المدارس العصرية في خلدا،أستاذ الدراسات المقدسية أ.د. وليد سالم، في محاضرة بعنوان «القدس والمقدسيون:جدوى الصمود والمقاومة الصامتة؟».
رئيس هيئة المديرين في المدارس العصرية، الدكتور اسعد عبدالرحمن استهل اللقاءبتقديم المحاضر، مشيراً إلى تجربته الأكاديمية والبحثية المتخصصة في شؤونالقدس، وإلى دوره في تأسيس مجلة «المقدسية» ومتابعة مسيرتها. ورأى أن الصمودفي فلسطين يمثل أحد أرفع أشكال النضال في المرحلة الراهنة، ممهداً لمحاضرةتتناول جانباً من المقاومة المقدسية لا يحظى دائماً بما يستحقه من الانتباه.
ومن السؤال عن معنى القدس إلى السؤال عن كيفية مقاومتها، وضع د.سالم الحضورأمام اختلاف جوهري بين تصور يقوم على حصرية الدولة الصهيونية السيطرة علىالمدينة، وتصور فلسطيني وعربي وإسلامي يرى فيها فضاءً متنوعاً، تتجاور فيه الأديانوالجماعات، ولا تتحول فيه حرية الاعتقاد إلى مبرر لاحتكار السيادة السياسية والدينية.
المحاضر تناول مفهوم «المقاومة الصامتة»، مؤكداً أنها لا تعني غياب المقاماتالاخرى، ولا تنتقص من أشكالها المختلفة، بل تكشف عن ميادين أخرى للصمودوحماية الوجود، تتجلى في تفاصيل الحياة اليومية، وفي قدرة المقدسيين علىالاستمرار رغم الضغوط الامنية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية التي تواجههم.
وقدم سالم تمييزاً بين «صمود الساكن»، الذي يتمثل في البقاء في المدينة رغممحاولات دفع أهلها إلى الرحيل، و«صمود الفاعل»، الذي يتجاوز مجرد البقاء إلىإتقان العمل والإسهام في حياة المجتمع. وربط ذلك بمفهوم «التكيف المقاوم»، أيالقدرة على التعامل مع الوقائع المتغيرة دون الاستسلام لها، وبناء المناعة النفسيةوالثقافية والاجتماعية التي تعين الأفراد والأسر على مواصلة الحياة ونقل الثقة والأملوالمقاومة إلى الأجيال الجديدة.
وانتقل المحاضر إلى نماذج ميدانية من القدس، موضحاً كيف تسهم المبادراتالمحلية في تثبيت الوجود الفلسطيني، وكيف يؤدي حل النزاعات داخل المجتمع إلىحماية نسيجه من التفكك، فيما تتيح المبادرات المجتمعية توفير مساحات للأطفالوالشباب، وتعزز قدرة الأحياء على الاعتماد على طاقاتها الذاتية.
وفي جبل المكبر والعيسوية وتل العداسة، عرض تجارب في التنظيم المحلي والتكافلومعالجة المشكلات المجتمعية، مستخلصاً أن حماية المجتمع لا تبدأ دائماً منالمؤسسات الكبرى، بل قد تبدأ من لجنة محلية تحل نزاعاً، أو مبادرة توفر ملعباًللأطفال، أو جهد جماعي يحافظ على الحي ويعزز قدرة سكانه على البقاء.
وفي الجانب الاقتصادي، تناول المقاطعة الذاتية للمنتجات الإسرائيلية والمبادراتالتنموية المحلية بوصفهما وسيلتين لتقوية الاستقلال الاقتصادي للمجتمع المقدسي. وفي الجانب العمراني، شرح سالم كيف يحاول الفلسطينيون الحفاظ على وجودهموبناء بيوتهم رغم القيود وسياسات الهدم، مشيراً إلى أن معركة المكان لا تتعلقبالحجارة وحدها، بل بمن يبقى في المدينة متحدياً جهود التهجير ومن يملك القدرةعلى مواصلة الحياة فيها.
كما توقف عند رفض التجنس بالجنسية الإسرائيلية ومقاطعة الانتخابات البلدية فيالمدينة المقدسة، بوصفهما شكلين من أشكال التمسك بالهوية السياسية والوطنية،مع الإشارة إلى الأثمان الخدمية التي قد يتحملها المقدسيون نتيجة هذه الخيارات. وربط ذلك بمقاومة محاولات فصل المقدسي عن هويته الفلسطينية، أو اختزال انتمائهفي هوية محلية منفصلة عن محيطه الوطني.
وتحدث سالم عن استمرار المدارس الفلسطينية في القدس، وعن محاولات الحفاظعلى المنهاج الوطني من خلال التدريس المباشر والأنشطة اللاصفية والتعليمالمجتمعي وتعليم الأقران، إلى جانب فرص التعليم الإلكتروني في تنمية قدرات الطلبة. واعتبر أن نقل المعرفة والهوية بين الأجيال شكل من أشكال المقاومة التي تحميالذاكرة وتمنع انقطاع الصلة بفلسطين.
وامتد الحديث إلى المسجد الأقصى المبارك، حيث اعتبر استمرار الحضور والصلاة فيه،والتمسك بهوية المكان، من صور المقاومة الصامتة، متناولاً كذلك دور الأوقافالإسلامية والوصاية الهاشمية في إدارة شؤون المسجد ورعاية المقدسات. وأكد، فيمعرض إجابته عن سؤال حول الأماكن المسيحية المقدسة، أن الوصاية الهاشميةتشمل المقدسات الإسلامية والمسيحية، مشيراً إلى التنسيق مع كنائس القدس، وإلىمشاهد التضامن بين المسلمين والمسيحيين في الدفاع عن المقدسات.
وناقش الحضور حدود قدرة المقاومة الصامتة على مواجهة التهجير القسري،مستحضرين ما شهدته الخليل ومخيمات شمال الضفة الغربية من تهجير عائلات منبيوتها. وأقر سالم بأن للصمود حدوداً لا يجوز تجاهلها، موضحاً أن نجاحه في تثبيتالوجود لا يعني أنه قادر وحده على تحقيق التحرير، وأن المراحل المختلفة تتطلبأدوات وأساليب متعددة، وفق طبيعة كل حالة، موضحاً ان ماتقوم به الدول والاحزابوالتنظيمات والفصائل مختلف عن مايقوم به الافراد والمجتمع المدني.
وأشار الدكتور المحاضر إلى أن استضافة العائلات المهجرة لدى أسر أخرى، وتوفيرالرعاية والتكافل لها بعيداً عن مراكز الإيواء، يمثلان بدورهما صورة ملموسة من صورالمقاومة المجتمعية؛ إذ يحافظ المجتمع على تماسكه حتى حين يُقتلع أفراده منبيوتهم.
وشدد على أهمية الانتقال من ثقافة الأنا والاستعراض إلى ثقافة العمل الجماعيوالتواضع، والنظر النقدي إلى الإنجاز، والإيمان بأن ما تحقق لا يعفي من مواصلة العمل. فالمقاومة، وفق هذا المنظور، ليست ادعاء البطولة ولا انتظار التصفيق، بل مسؤوليةيومية تتجدد بقدر ما تبقى هناك فجوة بين الواقع والهدف.
وأكد سالم أن اختزال الفلسطينيين في صورة أبطال يصنعون المعجزات قد يتحول، منحيث لا يُقصد، إلى وسيلة لإعفاء الآخرين من مسؤولياتهم. فالقدس، بعد التحولاتالتي شهدتها فلسطين والعالم منذ عام 2023، لم تعد قضية يمكن حصر ساحة الكفاحمن أجلها داخل المدينة أو في الأراضي الفلسطينية وحدها؛ بل أصبحت مسؤولية عربيةودولية، تتطلب الانتقال من التعاطف إلى الفعل، ومن الإعجاب بالصمود إلى الإسهامفي حمايته.
واكد على أن الصمود ليس إعفاءً للآخرين من مسؤولياتهم، وأن حماية القدس لا تقععلى عاتق المقدسيين وحدهم، مهما بلغت قدرتهم على التمسك بأرضهم وهويتهم.
