جورجيا ميلوني.. الظاهرة الإيطالية الشقراء
عبدالرحمن شلقم
إيطاليا بلدُ الظواهر التاريخية، في العمران، والأدب، والفن، والموضة، والسينما، والسياسة. الإمبراطوريةُ الرومانيةُ مدَّت سطوتَها على البر والبحر، وتداول كراسي الحكم فيها أباطرة وقياصرة، كانَ منهم الحكيمُ المسالم، مثل ماركوس أوريليوس، الذي ما زالَ القوسُ الضَّخمُ الذي يحمل اسمَه يتوسَّط العاصمةَ الليبيةَ مدينة طرابلس، ونيرون الإمبراطور المجنون الذي قتلَ أمَّه وأحرقَ مدينةَ روما، ووقفَ مخموراً يستمتع بألسنةِ اللهب وأعمدةِ الدخان التي تطاول السَّماء.
في الحرب الباردة بين الغرب الرأسمالي والشرق الشيوعي، كانت إيطاليا الخطَّ الحدوديَّ الساخنَ بينهما. شخصية سياسية إيطالية فريدة، أتقنت تحريك ذلك الخط بمهارة سحرية. جوليو أندريوتي أحد قادة الحزب الديمقراطي المسيحي، ترأس 7 حكومات، أغلبها ائتلافية، مع أحزاب أخرى، وحمل أكثر من 20 حقيبة وزارية. وجّهت له عشرات السهام، من بينها تهم جنائية، أبرزها اتهامُه بعلاقة مع عصابة المافيا، لكنَّه كسر السهام كلها، ليختم حياتَه بعضوية دائمة بمجلس الشيوخ. كان جوليو أندريوتي ظاهرةً سياسية إيطالية وأوروبية، بل عالمية، في زمن إيطالي لم يغب فيه العنف والاغتيال السياسي. ألدو مورو أحدُ قادة الحزب الديمقراطي المسيحي، والسياسي الذي حاول أن يؤسس لمشروع تعايش سياسي مع الحزب الشيوعي الإيطالي، اغتالته منظمة الألوية الحمراء الإيطالية. بموته فقدت إيطاليا أحد أعمدتها السياسية، وكان جوليو أندريوتي الداهية الغامض هو القادر دائماً على ملء كل فراغ، ورتق كل خرق.
ثورة الأيدي النظيفة التي انطلقت سنة 1992 هزَّت بنيةَ النظام السياسي الإيطالي، حيث قام القضاءُ بحملة تحقيق في قضية رشًى واسعة، شملت كل البلاد، وأدَّت إلى نهاية أحزاب حكمت البلاد عقوداً طويلة، وأزاحت شخصياتٍ بارزةً من المشهد السياسي، كان على رأسهم بتينو كراكسي زعيمُ الحزب الاشتراكي، الذي ترأس حكومة خماسية، وانتهَى به المقام في تونس، إلى حين وفاته ودُفن بها.
كراسي الحكم في إيطاليا مغطاةٌ بالجمر، حيث لا تبقى فوقها الحكومات إلا سنوات أو أشهراً قليلة. شابة شقراء مغمورةٌ اسمُها جورجيا، ولدت سنة 1977 ونشأت في أسرة بسيطة بأحد أحياء مدينة روما، والدُها هجر العائلة مبكراً وعاش في إسبانيا، ربّتها أمُّها ذات الميول اليمينية. بدأت ميلوني العمل مبكراً بائعة في محل للخضراوات، ثم نادلة في حانة، لكنَّها انجذبت مبكراً للنشاط الشبابي، ومنه إلى العمل السياسي. التحقت بحزب التحالف الوطني اليميني، ذي الميول الفاشية، ثم انتخبت عضواً في مجلس النواب، وكانت العضو الأصغر سناً فيه، وعيّنها سيلفيو برلسكوني وزيرة للشباب، في حكومته الرابعة، فكانت أصغرَ وزيرة في تاريخ الجمهورية الإيطالية.
في سنة 2012، انفصلت عن برلسكوني وأسَّست حزب إخوة إيطاليا. في أكتوبر (تشرين الأول) 2022 تولت رئاسة حكومة ائتلافية، ضمّت حزبها إخوة إيطاليا، وحزب رابطة الشمال، وحزب فورزا إيطاليا. الآن تحتفل ميلوني برقم غير مسبوق في إيطاليا، هو بقاء حكومة مدة تجاوزت كل الحكومات منذ قيام الجمهورية، وهي أول امرأة تترأس حكومة في إيطاليا. هل رشّت هذه الشابة الشقراء عطر البقاء على كرسي الحكم، الذي كان يُغطى بالجمر في قصر كيجي، حيث مجلس الوزراء؟ لقد طرحت مبكراً برنامجاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، يملأه الأمل ويتناغم مع الموروث الكاثوليكي. موقف متشدد من الهجرة غير النظامية، ونجحت في التعاون مع كل من ليبيا وتونس للحدّ من تدفق قوارب المهاجرين، وتعاونت مع الاتحاد الأوروبي. المحافظة على البناء التقليدي للأسرة الإيطالية، ودعم الإنجاب، حيث تعاني البلاد من الشيخوخة السكانية وقلة المواليد، ودعمت العمل الحر، وشجّعت الشركات الصغيرة، وراجعت المنظومة الضريبية. يصفها البعض باليمينية المتشددة، لكنَّها وطنية محافظة تتمسَّك بسيادة بلادها، وتقديم مصالحها.
جورجيا ميلوني ظاهرة شاملة في كل حلقات حياتها، منذ البداية إلى اليوم، ورغم قوة اليسار السياسي الإيطالي المعارض، والخلاف الذي لا يغيب داخل تحالفها الحزبي الثلاثي، ما زالت تواجه وتصارع بقوة بكاريزما ونجومية جذابة مؤثرة شعبياً. في إيطاليا لا تغيب الظواهر في جميع المناشط. هذه المرة ظاهرة شقراء جميلة ناعمة حازمة.