مؤتمر المشرق العربي للصادرات الزراعية يبحث في عمّان معادلة الأمن الغذائي وسط شح المياه واضطراب سلاسل الإمداد

58

المهندسة: ميسون الزعبي

عضو اللجنه التحضيرية للمؤتمر

في وقت تواجه فيه المنطقة ضغوطًا متصاعدة على أمنها الغذائي نتيجة شح المياه وتغير  المناخ وارتفاع كلف الإنتاج واضطرابات سلاسل التوريد، تتجه الأنظار إلى عمان يومي  15 و16 أيلول/سبتمبر 2026، حيث تستضيف العاصمة أعمال مؤتمر المشرق العربي للصادرات الزراعية، في مسعى لإعادة صياغة موقع المنطقة في خارطة الإنتاج والتصدير  الزراعي العالمي.

ويأتي المؤتمر، الذي تنظمه الجمعية الأردنية لمصدري ومنتجي الخضار والفواكه،بمبادرة وتنفيذ مشترك من شركتي الصحراء الذكية والشركة الأردنية الصينية الزراعية،وبمشاركة واسعة من القطاعين الحكومي والخاص ومزودي الحلول والتقنيات الذكية،في وقت لم تعد فيه قضية الزراعة مرتبطة بزيادة الإنتاج وحدها، بل بقدرة الدول على انتاج  غذاء أكثر باستخدام موارد أقل.

ويكتسب انعقاد المؤتمر في الأردن أهمية خاصة، ليس فقط بسبب موقع المملكة الجغرافي الذي يربط أسواق الإنتاج في المشرق بأسواق الاستهلاك في الخليج وأوروبا،وإنما أيضًا بسبب طبيعة التحديات التي تواجه قطاعها الزراعي. فالأردن يعمل في بيئة تتسم بندرة المياه ومحدودية الموارد الطبيعية، ما جعل البحث عن حلول لرفع كفاءة

استخدام  المياه والأرض والطاقة ضرورة اقتصادية وأمنية، وليس خيارًا تنمويًا إضافيًا.

شح المياه.. التحدي الذي يعيد تعريف الزراعة

تضع ندرة المياه القطاع الزراعي الأردني أمام معادلة شديدة التعقيد: كيف يمكن زيادةالإنتاج الزراعي وتعزيز الصادرات دون زيادة الضغط على الموارد المحدودة؟

وتدفع هذه المعادلة باتجاه تبني أنظمة إنتاج أكثر كفاءة، والاستثمار في تقنيات الزراعة الذكية  مناخيًا، والري الحديث، والزراعة المحمية والمائية، والحلول الرقمية التي تتيح مراقبة المحاصيل وإدارة المياه والمدخلات الزراعية بصورة أكثر دقة.

ومن هذه الزاوية، يمكن للأردن أن يتحول من دولة تتعامل مع شح الموارد باعتبارها تحدياً فقط، إلى بيئة حاضنة لحلول زراعية قابلة للتطبيق والتوسع في دول المنطقةالتي تواجه تحديات مشابهة.

فالخبرة المتراكمة في التعامل مع محدودية المياه والظروف المناخية القاسية تتيحمساحة أمام القطاع الخاص والشركات الناشئة والباحثين والمزارعين لاختبار نماذججديدة تقوم على مفهوم “الإنتاج بكفاءة أعلى”، وربط التكنولوجيا بحاجات المزارعالفعلية والأسواق.

من الإنتاج إلى بناء منظومة غذائية مستدامة

ولا تتوقف معادلة الاستدامة عند الحقل. فالأمن الغذائي يرتبط بسلسلة متكاملة تبدأبالإنتاج، مرورًا بالفرز والتعبئة والتخزين والتبريد والنقل، وصولًا إلى الأسواقوالمستهلك.

وفي هذا السياق، يطرح المؤتمر مجموعة من الملفات التي تمس مختلف حلقات سلسة القيمة الزراعية، من التمويل والتأمين وإدارة المخاطر، إلى المعايير والشهادات والتتبع  وسلامة الغذاء، وصولًا إلى النقل وسلاسل التبريد واللوجستيات العابرة للحدود .

ويكتسب تقليل الفاقد الغذائي أهمية خاصة في هذه المنظومة، إذ إن فقدانالمنتجات خلال مراحل ما بعد الحصاد لا يعني خسارة المنتج وقيمته الاقتصادية فقط،وإنما يعني أيضًا هدر الموارد التي استُخدمت في إنتاجه، وفي مقدمتها المياه والطاقةوالأرض.

وبالتالي، فإن رفع كفاءة سلسلة الإمداد يمكن أن يكون بمثابة “إنتاج إضافي” من دونالحاجة إلى التوسع في استهلاك الموارد الطبيعية.

المشرق العربي.. من أسواق متفرقة إلى منظومة تصديرية واحدة

ويستهدف المؤتمر تعزيز حضور المشرق العربي على خارطة التجارة الزراعية الدولية،مستفيدًا من التنوع المناخي في المنطقة والقدرة على إنتاج العديد من المحاصيلخلال فترات مختلفة من العام.

لكن تحقيق هذه الإمكانات يتطلب تجاوز العمل داخل الحدود الوطنية، وبناء تكاملاً اكبر  بين المنتجين والمصدرين والمشترين والمستثمرين ومقدمي الخدمات اللوجستية.

ومن هنا، يطرح المؤتمر فكرة إنشاء منصة إقليمية تربط الإنتاج بالطلب الفعلي، وتقلل الفجوة بين المزارع والأسواق، وتساعد على بناء علاقات تجارية أكثر استقرارًا، بما يعزز قدرة المنتجين في المنطقة على التفاوض والمنافسة في الأسواق الدولية.

التمويل الأخضر أمام اختبار القطاع الزراعي

ويشكل التمويل أحد أبرز العوائق أمام التحول إلى الزراعة المستدامة، خاصة أن العديدمن التقنيات الحديثة تتطلب استثمارات أولية قد لا يستطيع صغار المزارعين تحملها.

ولهذا يناقش المؤتمر أدوات تمويل الصادرات، والتأمين الزراعي، وإدارة المخاطر،والتمويل المبتكر والأخضر، إضافة إلى دور البنوك والمؤسسات المالية في دعمالقطاع.

ويعني نجاح هذا المسار الانتقال من النظر إلى الزراعة باعتبارها نشاطًا عالي المخاطرإلى التعامل معها كقطاع اقتصادي قابل للاستثمار، شريطة وجود أدوات تمويل وتأمينقادرة على استيعاب المخاطر المناخية والسوقية التي يواجهها المنتجون والمصدرون.

المعايير والجودة.. شرط المنافسة خارج الحدود

وفي الأسواق الدولية، أصبحت الجودة وسلامة الغذاء والتتبع عناصر حاسمة في تحديد قدرة المنتج على النفاذ والاستمرار.

ويبحث المؤتمر متطلبات الأسواق الخارجية والشهادات والمعايير وأنظمة التتبع، بما يساعد  على رفع جاهزية المنتجات الزراعية في المشرق للتعامل مع المتطلبات المتزايدة  للأسواق العالمية.

ويُنظر إلى هذه المعايير باعتبارها أكثر من مجرد متطلبات فنية؛ فهي جزء من بناء ألفة بالمنتج ورفع قيمته المضافة وتحويل المنافسة من السعر وحده إلى الجودة والموثوقة  والاستدامة.

اللوجستيات.. الحلقة الحاسمة في تجارة المنتجات الطازجة

أما في مجال النقل، فتفرض الطبيعة سريعة التلف للمنتجات الزراعية تحديات إضافية،خصوصًا في ظل تعدد المعابر الحدودية وطول مسافات النقل والحاجة إلى الحفاظعلى سلسلة التبريد.

ويناقش المؤتمر تحديات النقل البري عبر الحدود، وتطوير النقل البحري والتبريد،والحد من الفاقد أثناء النقل، إلى جانب بحث فرص تطوير المشرق العربي كمركز لوجستي  إقليمي.

ويحمل هذا الملف أهمية اقتصادية مباشرة، إذ إن تحسين سرعة وكفاءة نقل المنتجات  يمكن أن يرفع القدرة التنافسية للصادرات ويخفض الخسائر ويمنح المنتجين  وصولًا أفضل إلى الأسواق ذات القيمة الأعلى.

يومان من السياسات إلى الحلول العملية

ويتميز برنامج المؤتمر بمحاولة الجمع بين الرؤية الاستراتيجية والتطبيق العملي؛ إذ يخصص اليوم الأول لمناقشة السياسات والملفات الاستراتيجية، فيما يركز اليوم الثاني على  الحلول والتطبيقات.

وتتضمن أجندة المؤتمر جلسات حوارية رفيعة المستوى، ومعرضًا زراعيًا، واجتماعات ثنائية  تجمع المنتجين بالمشترين، إلى جانب ورش عمل تطبيقية ومنصات لعرض الفرص الاستثمارية.

ويمنح هذا التنوع المؤتمر فرصة للانتقال من تشخيص مشكلات القطاع إلى محاولةبناء شراكات وحلول يمكن ترجمتها إلى مشاريع واستثمارات وقنوات تسويقية فعلية.

الأردن أمام فرصة لإنتاج نموذج إقليمي

وفي المحصلة، تبدو أهمية المؤتمر بالنسبة للأردن أبعد من تعزيز صادرات الخضاروالفواكه. فالمملكة تقف أمام فرصة لتوظيف تحدياتها المائية والمناخية في بناء خبرةإقليمية في كفاءة استخدام الموارد والابتكار الزراعي.

وفي بلد محدود الموارد، لا يمكن فصل مستقبل الأمن الغذائي عن مستقبل المياه، كمالا يمكن فصل القدرة على التصدير عن كفاءة الإنتاج والتخزين والنقل والتمويل.

ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في زيادة حجم الصادرات الزراعية، وإنمافي بناء منظومة غذائية متكاملة تجمع بين الإنتاجية والاستدامة والتكنولوجيا والتمويلوالأسواق.

وقد يكون الأردن، بحكم موقعه الجغرافي وتجربته في التعامل مع ندرة الموارد، مؤهلًاللعب دور أكبر في هذا التحول، ليس باعتباره منتجًا ومصدرًا فحسب، بل باعتبارهمختبرًا إقليميًا لحلول الزراعة المستدامة في بيئة شحيحة الموارد.

ففي المشرق العربي، حيث تتقاطع تحديات المياه والمناخ والغذاء والتجارة، لم تعدالاستدامة قضية بيئية منفصلة عن الاقتصاد، بل أصبحت شرطًا أساسيًا لبقاء القطاعالزراعي وقدرته على المنافسة، ولضمان أن تتحول كل قطرة ماء وكل وحدة أرض وكلاستثمار إلى أكبر قيمة غذائية واقتصادية ممكنة.

قد يعجبك ايضا