نحو منظومة وطنية للتمويل المناخي: من فرص التمويل إلى بناء الجاهزية والاستدامة
المهندسة: ميسون الزعبي
في ظل التحديات المتزايدة التي يفرضها تغير المناخ على الأردن، وما يترتب عليها من آثار اقتصادية وبيئية واجتماعية متنامية، تبرز الحاجة إلى إعداد استراتيجية وطنية متكاملة وموحدة للتمويل المناخي، قادرة على توجيه الموارد المالية المتاحة نحو الأولويات الوطنية وتعزيز قدرة المملكة على مواجهة آثار تغير المناخ والتكيف معها، وبما ينسجم مع مسار التنمية المستدامة ويعزز قدرة القطاعات المختلفة على الصمود.
وتكتسب هذه الاستراتيجية أهمية خاصة في ضوء التوجيه الملكي السامي بإعداد استراتيجية وطنية متكاملة وموحدة للتمويل المناخي بالشراكة مع القطاع الخاص، وهو ما يمثل فرصة مهمة للانتقال من التعامل مع التمويل المناخي باعتباره مجموعة من الفرص والمشاريع المتفرقة إلى بناء منظومة وطنية متكاملة ومستدامة قادرة على استقطاب التمويل وتوجيهه بكفاءة نحو الأولويات الوطنية.
ويأتي هذا التوجه في سياق الاهتمام الذي أولاه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين لقضايا المناخ والتنمية واللاجئين، سواء من خلال المبادرات ذات الصلة أو من خلال حضور ومشاركة جلالته في مؤتمرات الأطراف للمناخ (COP)، وإبراز التحديات التي تواجه الأردن أمام المجتمع الدولي، وفي مقدمتها شح المياه والأمن المائي والقدرة على التكيف مع آثار تغير المناخ، إلى جانب الأعباء الإضافية التي تتحملها المملكة نتيجة استضافة اللاجئين.
وقد أسهم هذا الحضور الأردني في تعزيز موقع المملكة في الحوار الدولي حول تغير المناخ، وإيصال رسالة واضحة حول خصوصية التحديات التي تواجه دولة محدودة الموارد الطبيعية والمائية، وتتعرض في الوقت ذاته لتداعيات مناخية متزايدة وأعباء اقتصادية واجتماعية إضافية. ومع التطور المستمر في منظومة التمويل المناخي الدولية، بما في ذلك صندوق المناخ الأخضر وصناديق التكيف وآليات تمويل الخسائر والأضرار وغيرها من الأدوات، تتوفر أمام الأردن فرص مهمة، إلا أن الاستفادة منها تتطلب نهجًا وطنيًا أكثر تنظيمًا واستباقية.
ومن هنا، فإن أهمية الاستراتيجية لا تتمثل فقط في تحديد مصادر التمويل المتاحة، وإنما في بناء منظومة تربط بصورة واضحة بين الأولويات الوطنية والمصادر التمويلية المناسبة. فبدل انتظار ظهور فرصة تمويلية ثم محاولة إعداد مشروع يتوافق معها، ينبغي أن يمتلك الأردن مسبقًا رؤية واضحة للمشاريع والبرامج التي يحتاج إليها، ومستوى جاهزيتها، ومصادر التمويل التي يمكن توجيهها إليها.
وتتطلب هذه الرؤية تطوير محفظة وطنية متكاملة من المشاريع المناخية القابلة للتمويل، مدعومة بالدراسات والبيانات اللازمة، وقادرة على الاستجابة للمتطلبات الفنية والاقتصادية والبيئية والاجتماعية للجهات والصناديق التمويلية الدولية. فالحصول على التمويل المناخي لا يعتمد فقط على وجود مشكلة أو احتياج وطني، وإنما على القدرة على تحويل هذه الاحتياجات إلى مشاريع وبرامج واضحة الأهداف والنتائج وقابلة للتمويل والتنفيذ والقياس.
ومن واقع التجربة العملية، فإن بناء ما يمكن تسميته بـ”جاهزية التمويل المناخي” يمثل أحد أهم عناصر النجاح في هذا المجال. وهذه الجاهزية تتطلب وجود كوادر وطنية مؤهلة لإعداد المقترحات التمويلية، وبيانات ومعلومات موثوقة، ودراسات فنية واقتصادية وبيئية واجتماعية متكاملة، وأنظمة قادرة على قياس النتائج والأثر المناخي، إلى جانب أطر مؤسسية وتشريعية تساعد على الوصول إلى مصادر التمويل وتعزز مشاركة القطاع الخاص.
وتأتي أهمية هذه الجوانب من تجربة عملية أعمل عليها حاليًا من خلال تولي إدارة مشروع “بناء القدرة على التكيف مع تغير المناخ من خلال تحسين كفاءة استخدام المياه في قطاع الزراعة” (BRCCJ)، وهو مشروع يرتبط بصورة مباشرة باثنين من أكثر التحديات إلحاحًا بالنسبة للأردن، وهما التكيف مع تغير المناخ وشح المياه، ولا سيما في القطاع الزراعي.
وقد أتاحت لي إدارة هذا المشروع الاطلاع بصورة مباشرة على حجم الجهد والمتطلبات اللازمة لتطوير وتنفيذ مشروع يرتبط بالتمويل المناخي، بدءًا من تحديد المشكلة وصياغتها ضمن إطار مناخي واضح، مرورًا بتطوير فكرة المشروع وإعداد مبرراته الفنية والاقتصادية والمناخية، ووصولًا إلى التنسيق بين الجهات الوطنية والشركاء ومتابعة المتطلبات الفنية والمؤسسية وضمان تحقيق أهداف المشروع ونتائجه.
وتكمن أهمية هذه التجربة، في تقديري، في أنها تؤكد أن الوصول إلى التمويل المناخي لا يتوقف عند توفر الاحتياج أو وجود فكرة جيدة، وإنما يتطلب خبرة وقدرة مؤسسية على تحويل الأولويات الوطنية إلى مشاريع قابلة للتمويل. كما أن إدارة المشاريع المناخية توفر معرفة وخبرة تراكمية يمكن البناء عليها لتطوير مشاريع جديدة ورفع قدرة المؤسسات الوطنية على التعامل مع متطلبات الصناديق والمؤسسات التمويلية الدولية.
ومن هنا، فإن الوصول إلى التمويل المناخي ينبغي ألا يُنظر إليه باعتباره غاية بحد ذاته، وإنما باعتباره نقطة انطلاق لبناء قدرة وطنية مستدامة. فنجاح مشروع واحد يمكن أن يولد معرفة مؤسسية وخبرة عملية تتيح تطوير مشاريع أخرى، وتوسيع شبكة الشراكات، وتحسين قدرة المؤسسات الوطنية على الوصول إلى مصادر تمويل إضافية. وهذا يعني أن القيمة الحقيقية لأي مشروع مناخي لا تقتصر على نتائجه المباشرة، بل تمتد إلى ما يتركه من خبرة وقدرة يمكن استخدامها في مشاريع وبرامج لاحقة.
وتبرز أهمية هذا النهج بصورة أكبر في قطاع المياه، الذي يمثل أحد أكثر القطاعات حساسية لتغير المناخ في الأردن. فالتغيرات المناخية لا ترتبط فقط بانخفاض كميات الهطول، وإنما تشمل أيضًا تغير أنماط وتوزيع الأمطار، وارتفاع درجات الحرارة، وزيادة معدلات التبخر، وطول وتكرار فترات الجفاف، في وقت يتزايد فيه الطلب على المياه نتيجة النمو السكاني والاقتصادي والاحتياجات المنزلية والزراعية والصناعية.
وبالتالي، يواجه الأردن تحديًا مزدوجًا يتمثل في محدودية وتذبذب الموارد المائية من جهة، وارتفاع الطلب عليها من جهة أخرى، الأمر الذي يجعل كل متر مكعب من المياه موردًا استراتيجيًا. وفي هذا السياق، فإن تحسين كفاءة استخدام المياه في القطاع الزراعي لا يمثل مجرد إجراء فني أو اقتصادي، بل يشكل أحد التدخلات المهمة في مجال التكيف مع تغير المناخ، لما له من أثر مباشر في تحسين استخدام الموارد المائية وتعزيز قدرة القطاع الزراعي على مواجهة الجفاف وارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الهطول.
ومن هنا، يمكن لتجربة مشروع BRCCJ أن تشكل نموذجًا عمليًا يمكن البناء عليه في تطوير الاستراتيجية الوطنية للتمويل المناخي، ليس فقط من حيث طبيعة المشروع وأهدافه، وإنما من حيث الخبرة المؤسسية التي يمكن استخلاصها من عملية تطويره وإدارته وتنفيذه. فالاستفادة من هذه التجارب تعني تحويل الخبرة المتراكمة إلى معرفة مؤسسية وطنية، بحيث لا تبقى مرتبطة بمشروع واحد، وإنما تصبح أساسًا لتطوير مشاريع وبرامج مناخية أخرى.
وفي المرحلة المقبلة، ينبغي أن ينتقل الأردن من تطوير المشاريع بصورة منفردة إلى بناء محفظة وطنية متكاملة للمشاريع المناخية القابلة للتمويل، بحيث يتم تحديد الأولويات الوطنية مسبقًا وتطوير المشاريع وفق مستويات مختلفة من الجاهزية، ثم توجيه كل مشروع إلى مصدر التمويل الأكثر ملاءمة لطبيعته وأهدافه. ومن شأن هذا النهج أن يجعل التمويل أداة لتنفيذ الأولويات الوطنية، بدل أن تكون الأولويات خاضعة للفرص التمويلية المتاحة.
وينبغي أن تشمل هذه الأولويات مشاريع التكيف في قطاعي المياه والزراعة، إلى جانب مشاريع الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة والنقل المستدام وإدارة النفايات والاقتصاد الدائري والحلول القائمة على الطبيعة والبنية التحتية القادرة على الصمود أمام آثار تغير المناخ، فضلًا عن المشاريع التي تستهدف المجتمعات الأكثر هشاشة والمجتمعات المستضيفة واللاجئين.
وفي الوقت ذاته، فإن نجاح الاستراتيجية يتطلب إشراك القطاع الخاص بصورة فاعلة، إذ إن حجم الاستثمارات المطلوبة لمواجهة آثار تغير المناخ يتجاوز قدرة التمويل الحكومي والمنح الدولية وحدها. ومن هنا يمكن للتمويل المناخي أن يؤدي دورًا يتجاوز توفير الموارد المالية المباشرة، ليصبح أداة لتقليل مخاطر الاستثمار وتحفيز رأس المال الخاص، من خلال التمويل الميسر والضمانات والتمويل المختلط والشراكات بين القطاعين العام والخاص.
وبذلك، لا يكون الهدف النهائي هو الحصول على تمويل من الصناديق المناخية فحسب، وإنما استخدام هذا التمويل كرافعة لتحفيز استثمارات أكبر من القطاع الخاص، وتوسيع قاعدة الموارد المالية المتاحة لتنفيذ المشاريع المناخية ذات الأولوية الوطنية.
كما أن الحضور الأردني في المحافل الدولية المعنية بالمناخ، والجهود التي يقودها جلالة الملك عبدالله الثاني، تمثل رصيدًا سياسيًا ودبلوماسيًا مهمًا ينبغي استثماره بصورة عملية. فالمطلوب في المرحلة المقبلة هو الربط بين الحضور السياسي والدبلوماسي والجاهزية المؤسسية والمشاريع القابلة للتمويل، بحيث تتحول الرسائل التي يقدمها الأردن على المستوى الدولي إلى مشاريع وبرامج مدروسة وقابلة للتنفيذ وتحقيق أثر ملموس.
وكلما كان الأردن أكثر قدرة على تقديم مشاريع جاهزة ومدعومة بالبيانات والدراسات، وواضحة الأهداف والنتائج وقابلة للقياس، ازدادت قدرته على الاستفادة من الفرص التمويلية المتاحة، وعلى تعزيز ثقة الجهات الدولية بقدرته على إدارة التمويل وتحقيق أثر حقيقي في مجالات التكيف والصمود والتنمية.
وبناءً على ذلك، فإن التوجيه الملكي بإعداد استراتيجية وطنية متكاملة وموحدة للتمويل المناخي يمثل فرصة لإعادة تنظيم الجهود الوطنية، والانتقال من نهج يقوم على المبادرات والمشاريع المنفردة إلى منظومة وطنية مستدامة لاستقطاب التمويل المناخي وإدارته وتوجيهه نحو الأولويات الوطنية.
وفي تقديري، لا ينبغي أن يقاس نجاح هذه الاستراتيجية بعدد المشاريع التي يتم تقديمها إلى الصناديق الدولية، وإنما بقدرتها على بناء محفظة مستمرة من المشاريع الجاهزة للتمويل، ورفع القدرات الوطنية على إعدادها وتنفيذها، وتنويع مصادر التمويل، وتعظيم حجم الموارد المستقطبة، وتحفيز القطاع الخاص على المشاركة.
كما أن تجربة مشروع “بناء القدرة على التكيف مع تغير المناخ من خلال تحسين كفاءة استخدام المياه في قطاع الزراعة” (BRCCJ)، الذي أتولى إدارته، تمثل تجربة يمكن الاستفادة منها في هذا المسار، ليس فقط باعتبارها مشروعًا يعالج تحديًا حقيقيًا يرتبط بالمياه والزراعة والتكيف المناخي، وإنما باعتبارها تجربة عملية يمكن من خلالها استخلاص الدروس المتعلقة بتطوير وإدارة المشاريع المناخية وتحويل الأولويات الوطنية إلى مشاريع قابلة للتمويل والتنفيذ.
ومن المهم أن تتحول الخبرات التي تتراكم من هذه المشاريع إلى معرفة مؤسسية وطنية، من خلال تطوير قواعد بيانات للمشاريع والأفكار الاستثمارية، وبناء خط أنابيب وطني للمشاريع المناخية، وتعزيز القدرات المتخصصة في إعداد مقترحات التمويل، وتطوير أنظمة البيانات والقياس والإبلاغ والتحقق، وتحديد أدوار واضحة للمؤسسات الوطنية، إلى جانب وضع آليات عملية وفعالة لإشراك القطاع الخاص.
وفي ظل تصاعد تحديات تغير المناخ وشح المياه، فإن إعطاء مشاريع التكيف في قطاعي المياه والزراعة أولوية متقدمة ضمن الاستراتيجية سيكون ذا أهمية خاصة للأردن، إلى جانب مشاريع التخفيف في قطاعات الطاقة والنقل وغيرها، بما يضمن توجيه الموارد المتاحة نحو المجالات التي تحقق أعلى أثر على الأمن المائي والغذائي والتنمية والقدرة على الصمود.
وفي النهاية، تتمثل الفرصة الحقيقية أمام الأردن في الانتقال من السؤال التقليدي: “كيف نحصل على تمويل لمشروع؟” إلى سؤال أكثر استراتيجية واستدامة: “كيف نبني منظومة وطنية تجعل الأردن قادرًا بصورة مستمرة على استقطاب التمويل المناخي وتوجيهه نحو أولوياته الوطنية؟”
وهذا هو جوهر الاستراتيجية الوطنية المنشودة؛ أن يتحول الأردن من مجرد مستفيد من فرص التمويل المناخي إلى نموذج إقليمي في الجاهزية والاستفادة الفاعلة من التمويل المناخي، وتوظيفه في خدمة التنمية والأمن المائي والغذائي والتكيف والصمود، بما يحول التحديات المناخية التي تواجه المملكة إلى فرصة لتعزيز قدرتها على التخطيط والاستثمار وبناء مستقبل أكثر استدامة.