ماذا يعني إعلان الحلف الدفاعي الثلاثي..؟
راكان السعايدة
ما أُعلن عن توقيع اتفاقية حلف دفاعي ثلاثي (سعودي باكستاني تركي) فيه الكثير من التفاصيل الغامضة، وتحيطه الكثير من الأسئلة غير المجاب عليها. أبرزها: لمواجهة من؟
فالحلف، على أهميته بالنسبة للدول الثلاث، إلا أن أهميته القصوى تتعلق بالسعودية وحاجاتها الأمنية الردعية، لكن إلى هذه اللحظة على الأقل، لا يمكن بلوغ العمق في فهم هذا التحالف.
ذلك بالنظر إلى أن لكل دولة من الدول الثلاث حساباتها السياسية الخاصة، ولكل منها مخاوفها الأمنية المختلفة، فضلاً عن التنافس على قيادة العالم السني، وبخاصة بين السعودية وتركيا.
على هذا الأساس، قد يكون من الصعب توقع أن يصبح هذا الحلف ثابتاً ومستمراً ومتماسكاً وملزماً لفترة طويلة، ما لم تُكشف تفاصيل نصوصه، وتُعرف حدود الدفاع المشترك فيه، ودور كل طرف من أطرافه حال تعرض أحدها لاعتداء.
إن اختبار هذا الحلف ليس صعباً أو مستحيلاً، فما تمر به المنطقة من ظروف صعبة ومعقدة، وسط مواجهات متعددة الساحات، سيكون المختبر الذي يقاس فيه مدى صلابة الحلف وطبيعة التزامات أطرافه.
ويمكن أن نسأل سؤالاً كاشفاً: ماذا لو اشتعلت حرب بين السعودية وجماعة الحوثي، وهو الأقرب للمنطق؟ وأكثر من ذلك، لو اشتعلت الحرب مع إيران، فهل ستحارب تركيا (عضو الناتو) وباكستان إلى جانب السعودية، أو لو تحاربت باكستان مع الهند التي تربطها شراكة استراتيجية وعسكرية وثيقة للغاية مع “إسرائيل” تعتمد على التعاون الأمني وصفقات التسلح ونقل التكنولوجيا؟ برغم معرفتنا أصلًا أن هناك اتفاقية سابقة مشتركة بين السعودية وباكستان؟
إيران، التي شعرت أن هذا الحلف يحمل رسالة ردع لها، لم تتأخر في الرد. ومع أن ردها كان صريحا ومباشراً، إلا أنه وجّه خطابه إلى السعودية تحديدا.
فطهران، التي رأت أن هذا الحلف “ورقي”، قالت بلهجة تصعيدية على لسان إبراهيم رضائي، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، أنه “لن يحقق الأمن للرياض (..) وأن على السعودية أن تغير سياساتها..”.
لكن، في ظل الظروف الداخلية في إيران، قد يكون مبكرا الحكم بأن هذا الموقف يمثل سائر الأطراف الفاعلة في أروقة صناعة القرار الإيراني أم جهة معينة.
وإلى أن يُختبر الحلف، وتعرف تفاصيله، ومدى عمقه والتزاماته وحدوده، فلا ضير من محاولة فحص الأسباب التي استدعت الفكرة، وما يترجم منها الآن.
هذا الفحص يمكن أن يجيب على أسئلة الفكرة أولاً، وفرص نجاحها العملي ثانياً، ومدى جدواها ثالثاً، وإمكانية اتساع نطاقها لتشمل دولاً أخرى رابعاً.
حتى يتضح ذلك، يمكن توقع بعض الأسباب، ومن أبرزها:
أولًا: ثبت للسعودية، أكثر من باكستان وتركيا، أن أميركا حليف لا يمكن الاتكاء والمراهنة عليه، وهذه حقيقة اختبرتها السعودية وكل دول الخليج في الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران.
فأميركا لم تتمكن من حماية دول الخليج، ولا حتى تمكنت من حماية قواعدها، بل ونقلت بعض أصولها العسكرية منها إلى دول أخرى، وبعض هذه الأصول إلى “إسرائيل”.
أكثر من ذلك، أن واشنطن تفاوض طهران على أساس مصالحها بالأساس، ولن تكون مخاوف ومصالح دول الخليج أولوية لا يمكن التضحية بها.
ثانياً: السعودية وكل دول الخليج تستشعر أن أميركا المتراجعة عالميا، وبالأخص إقليميا، سيترك تراجعها فراغاً أمنياً في المنطقة، لا يمكن لدول الخليج أن تقبل أن يُملأ إسرائيلياً أو إيرانياً، فهي لا تثق لا بإسرائيل التي استهدفت دولة قطر، ولا بإيران التي استهدفتها جميعاً، وإن بررت إيران ذلك بأنها تستهدف أصولًا أميركية على أرض الخليج.
لذلك، فالسعودية، التي بالضرورة لن تتخلى عن تحالفاتها مع أميركا، رأت أن حلفها مع باكستان وتركيا لا يتصادم مع أميركا، لكنه بديل لها (أي أميركا) عند الضرورة، وفي أقله يساعد في تعزيز توازنات وأمن المنطقة، بدون الارتهان الكامل لأميركا و”إسرائيل”.
ثالثًا: تنافس السعودية مع دول عربية أخرى للتأثير في مجريات الأحداث في المنطقة، وشعور السعودية أن هناك من العرب من يستهدفها، كما لمست ذلك في اليمن والسودان مثلاً، قد يكون من بين أسباب تصميم وبناء هذا الحلف، الذي من شأنه تعزيز قوة السعودية ونفوذها.
وعليه، لا يستبعد أن يبرز حلف مناوئ تقوده دولة عربية أخرى، يضم “إسرائيل” والهند، لتقليل قوة التأثيرات التي يخلقها حلف السعودية.
إن دخول المنطقة المتوقع صراعات الأحلاف، إذا ما تفجرت، لن يكون حبيس دوله الحالية، بل سيضطر، تحت التنافس، إلى توسيع القوة والنفوذ لاستقطاب وضم دول أخرى، أهمها الأردن ومصر وقطر، وتليها سوريا والعراق.
هذا لا يعني إغفال محور إيران وتحالفاته في المنطقة، وهذا المحور، حتى لو تم إضعافه، فلن يزول أو يختفي، بل سيبقى، وربما يتعاظم مستقبلاً بعدما فشلت أميركا و”إسرائيل” في تركيعه وتحقيق أيٍّ من أهداف حربهما عليه.
فلا نظام إيران تغير، ولا استسلم، ولا قدم تنازلات كبرى، وهو صامد مع حليفيه الأساسيين في لبنان واليمن.
المعنى من كل ما تقدم أن المنطقة مقبلة على تحالفات متناقضة، وقد تكون متصادمة، لكنها تحالفات تعيد تشكيل مراكز القوة والنفوذ في الإقليم، ولن تكون روسيا والصين بعيدتين عنها، وأوروبا، وإن بشكل أقل نسبياً، وحتماً أميركا، التي تبحث، في ظل قدراتها المتراجعة، عن أسباب المحافظة على هيمنتها على الشرق الأوسط، بعدما تآكلت قوة ردعها، وأصبح نفوذها السياسي آخذاً في التراجع.
أردنيا، وهو أكثر ما يهمنا، على الأردن أن يكون حذراً، وحذراً جداً، من حالة السيولة التي يمر بها الإقليم، وأن يوازن مصالحه، وبالأساس وجوده، وهو يقارب خياراته، فنحن الدولة رقم واحد بين الدول التي تتأثر بما يجري، وبما سينتهي إليه الإقليم.