عزة الكاشفة.. لميس أندوني
إن صدّقنا تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن تسليم حركة حماس سلاحها “تقدّم تاريخي” تجاه وقف الحصار والتدمير الإسرائيلي وإعادة إعمار غزّة، فنحن نصدق كذبة وخديعة كبيرة. لكن ترامب لا يكذب تماماً؛ فتسليم “حماس” سلاحها وإقامة حكومة تحت سيطرة مجلس ترامب الاستعماري، هذا بالفعل “تقدّم تاريخي” لإكمال مشروع مستعمرة غزّة الربحي لإثراء معدومي الضمير من المليارديرات والقضاء التام على مجتمع غزّة وخريطتها وديمغرافيتها. فلا نية لإعادة إعمار غزة كما عرفناها، بل سيكون هناك مشاريع إعمار ضخمة لتغيير وجه غزّة وهويتها.
مراجع جغرافية
أما الحديث عن انسحاب الجيش الإسرائيلي المشروط أصلاً بإخضاع أهل غزّة لمصيرهم المجهول، وفصل القطاع عن باقي أرض فلسطين، فهو خديعة أخرى. فالمسؤولون الإسرائيليون يتحدثون بصراحة عن إعادة انتشار للجيش إلى شريط حدودي في شمال القطاع، إضافة إلى إعادة بناء المستوطنات اليهودية داخل غزّة.
مفهوم الرئيس الأميركي لإنهاء معاناة أهل غزّة وإدخال المساعدات مرتبط برؤية استعمارية؛ أنهم، والفلسطينيون بشكل عام، يجب أن يقبلوا بالهزيمة، وأن مستقبلهم مرهون بقبول مخطّطاته التي لا تنهي السيطرة الإسرائيلية، بل تُغير شكلها.
أن يعتقد بعض الناس أن الخلافات الإسرائيلية الأميركية، والتغييرات في أميركا، وهي تغييرات مهمة، تفتح الباب لمفاوضات فلسطينية أميركية بشأن حل عادل، فهذا وهم كبير، فالحل الحقيقي يبدأ بإنهاء الاحتلال. فواشنطن ماضية بتنفيذ مخطّطها في غزّة، ليس من أجل إسرائيل فقط، بل أيضاً من أجل مصالحها التي اختلطت بمصالح مالية كبيرة للأوليغاركية المتنفذة في واشنطن، فمشروع غزّة الرأسمالي ليس إسرائيلياً تماماً، بل هو أميركي تتلاقى فيها معظم مصالح الطرفين.
أي إن المشروع الذي يحلم به ترامب وبدأ بتنفيذه لا يتلاقى تماماً مع الطموحات الإسرائيلية؛ فإسرائيل تتلاقى مع ترامب بمسح تضاريس غزّة وإنهاء هويتها والقضاء على مجتمعها، بحيث لا يمكن العودة إلى كون غزّة جزءاً من فلسطين، فالهدف الأكبر تصفية القضية وليس تحرّر الشعب الفلسطيني، وتحويل غزّة إلى مستعمرة ومشروع ربحي يعني إنهاء مقومات المجتمع الغزّي وصلته بالجغرافيا والتاريخ الفلسطينيين.
تاريخ
ولكن، هناك اختلاف وخلاف أميركي إسرائيلي حول دور الفلسطينيين، أكان في غزّة أم الضفة الغربية أم في مناطق 1948، أي كل أرض فلسطين التاريخية، فواشنطن ترى أنه يجب أن يكون هناك دور فلسطيني، زائف، لكنه لإعطاء شرعية لعملية تلاشي غزّة الفلسطينية من غزّة. إنها تفكر بمصالحها الاستراتيجية، وسواء ترامب أو الإدارة السابقة، يدركون أن الفلسطينيين لن يختفوا فجأة، خصوصاً أنهم جزء وامتداد محيط وتاريخ ثقافة عربية، يجب أن تتعامل معها أميركا.
تتعارض الرؤية الأميركية، في جزءٍ منها، مع الاندفاع الإسرائيلي في تكملةٍ لجميع مراحل المشروع الصهيوني؛ بالاستمرار في حرب الإبادة، ولو على وتيرة أبطأ، وترويع أهل الضفة الغربية وتوسعة المستوطنات وتهويد القدس، أي أن تصبح أرض فلسطين ملكية “يهودية” بالمفهوم الأيديولوجي الاستيطاني الكولونيالي الصهيوني، أي لا حقّ لأصحاب الأرض وإنهاء وجودهم إذا أمكن. وهذه فروق مهمة بين الاستراتيجية الأميركية والطموحات الإسرائيلية، فأميركا منذ عقود تعمل على احتواء الفلسطينيين وتقزيم حقوقهم الوطنية إلى حقوق مجموعة سكانية تقبل بحكم ذاتي منقوص، تحت مسمّى “دولة فلسطينية”، بشرط التخلي عن حقوقهم الوطنية والتاريخية والوطنية الى الأبد.
فهمُّ واشنطن دائماً أن يكون هناك قبول عربي حقيقي لإسرائيل؛ فدمجها في المنطقة، بمعنى أن تُرى جزءاً عضوياً ودولة أصيلة في المنطقة، يتطلب “تسوية ما” لمطالب الشعب الفلسطيني. وعليه، ينسجم تركيز ترامب على ضم السعودية إلى الاتفاقيات الإبراهيمية تماماً مع السياسةالأميركية التقليدية في المنطقة، فبالرغم من تهوّر ترامب وغروره، فهو لا يعمل وفق خياله الجامح فقط. والأمور ليست فالتة تماماً في واشنطن؛ فالمؤسّسة الأميركية تحسب لترامب نجاحه في تحقيق الاتفاقيات الإبراهيمية بين إسرائيل والإمارات، في عام 2020، وانضمام كل من البحرين والمغرب إليها، إذ تؤسس الاتفاقيات الإبراهيمية لمظلة وبوتقة لتحالف عربي إسرائيلي أمني واقتصادي غير مسبوقة في المنطقة.
سياسة
يفهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تماماً أهمية الاتفاقيات الإبراهيمية وأهمية انضمام السعودية إليها، وهو هدف ثمين كان يعمل عليه، واعتقد أنه اقترب من التحقق، إلى أن أطلقت حركة حماس “طوفان الأقصى” وعرقلت العملية، فتغير موقف السعودية التي صُدمت كما الجميع بحرب الإبادة الإسرائيلية ضد أهل غزّة واستهتار تل أبيب بحياة الفلسطينيين وبمصالح الدول العربية وأمن المنطقة واستقرارها.
يعتقد نتنياهو، بدليل أعماله وتصريحاته، أنه لم يعد ملزماً كما في السابق بإطلاق وعود كاذبة بعدم ضم الضفة الغربية وتهويد القدس، من أجل تسهيل المساعي الأميركية إلى توسيع الاتفاقيات الإبراهيمية، ولا يأبه بالمخاوف الأميركية. ورفضه أي دور فلسطيني (ولو شكلياً وزائفاً)، وأي دور للسلطة الفلسطينية وعمله على تقويضها، يعني أنه يعتقد أنه آن الأوان للفلسطينيين والعرب لأن يفهموا أن تحقيق المشروع الصهيوني قادم، قبلوا أو رفضوا.
بخلاف ترامب، ومن ينصحه في واشنطن، ليس نتنياهو مستعجلاً على انضمام السعودية، إذ يعتقد أن انتصار إسرائيل الحاسم سيُرضِخ المنطقة وسيهرع الجميع لقبول القيادة الأميركية الإسرائيلية للمنطقة، وإن زمن مفهوم العالم العربي والحقوق الفلسطينية قد ولى. والفرق أن أميركا تعتقد أن تهوّر نتنياهو يفسد، أو على الأقل يعرقل، الاستراتيجية الأميركية. إذ تسعى واشنطن إلى فرض التفوق والهيمنة الإسرائيلية على المنطقة بتأمين قبول عربي ودولي، فصحيحٌ أن أميركا أطلقت توحشها، لكنها تدرك أن إعطاء مساحة للعرب بالإحساس بالمشاركة، ولو مشاركة صورية من خلال الاتفاقيات مع إسرائيل، فهناك حدود للقوة وأسلحة الدمار.
تاريخ
ما نراه في غزّة بعيداً عن التصريحات والادّعاءات الأميركية، إذا أردنا فهم كيف يعاد تشكيل الخريطة، فيجب متابعة ما يجري على الأرض في جنوب لبنان وسورية، فلم تؤثر الخلافات الأميركية الإسرائيلية في استمرار التمدّد الإسرائيلي والتوسع وبفرض خريطة أمنية داخل سورية ولبنان، فالمناطق العازلة التي تعمل إسرائيل على إقامتها في البلدين جزء من عملية إعادة تشكيل الخريطة.
الفرق بين ما يحدث في فلسطين ولبنان أن هناك سيطرة عسكرية كاملة على الأولى تسهل من بناء المستوطنات والتهجير وتدمير الأحياء في غزّة والضفة الغربية وإعادة رسم الخرائط السياسية والأمنية والديمغرافية في فلسطين والدول المحيطة التي بدأت إسرائيل التمدّد فيها. وبالرغم من التباين بينهما، جعلت أميركا وإسرائيل غزّة مختبراً لمشاريعهما في المنطقة، أو حتى العالم. فكفى أوهاماً عن دور مختلف لأميركا، فغزّة هي الكاشفة.
ليس ذلك إنكاراً للتغيرات في أميركا والأصوات العظيمة والشجاعة التي تناضل من أجل إنقاذ أميركا والعالم من الاستبداد الوحشي لرأس الاستعمار العالمي ورأس الجشع الرأسمالي. ولكن، لن يكون لنا دور إذا لم نستوعب ما يحدث في غزّة، بدون وهم أو أحلام بمصالح ضيقة.
في النهاية، كما يقول أهلها، غزّة الكاشفة.العربي الجديد