على ذمة الكاتب عدنان الروسان

10

عظمة الحاكم… حين يصغر الكرسي … زهد المقتدر وأوهام السلطة
#عدنان_الروسان

هل تصدق أن هناك حاكماً يسود دولة، يُخلّي نصف راتبه لشعبه، ويسوق سيارة مُتهالكة بلا موكب ولا صفارات أنذار… بينما على الضفة الأخرى من العالم، يُدار الحكم وكأن الموت شائعة لم يُصدقها الرئيس بعد

خوسيه موخيكا، رئيس الأوروغواي والمُلقب بـ “أفقر رئيس في العالم”؛ فقد كان يقود البلاد في الفترة ما بين عامي 2010 و2015، ويقيم في الوقت ذاته في مزرعة شديدة التواضع بضواحي العاصمة مونتيفيديو، ويقود سيارته من نوع “فولكس فاغن بيتل” موديل 1987.

كانت زوجته نائبةً في البرلمان، فاتفق معها على أن يتنازل أحدهما عن راتبه الشهري للدولة؛ لأن راتباً واحداً يكفيهما ولا حاجة بهما للراتب الثاني، وبالفعل تنازل عن راتبه واعتَاش الاثنان على راتب الزوجة.

دار بينه وبين الأجهزة الأمنية نقاش حاد؛ فهو لا يريد موكباً رئاسياً ولا مظاهر حراسة كبيرة ومُلفتة للنظر، بينما حاول قادة الأجهزة الأمنية أن يُفهموه أن الحراسة ضرورية وأنه رئيس جمهورية وقد يتعرض للاعتداء. لكنه أصرّ على أنه لا خصومة له مع أحد من أبناء الشعب، وفي النهاية اتفق الطرفان بعد جدل طويل على أن ترافق الرئيسَ سيارةُ شرطة واحدة، وأن لا تُزعج الناس في الشوارع عند مروره…

وهكذا كان.خوسيه موخيكا ليس شخصاً جاهلاً أو ساذجاً يبحث عن شعبوية من خلال تصرفه هذا، بل على العكس؛ إنه شخصية مثقفة عميقة الفكر، ويملك قدرة عالية على الحوار والإقناع. وتُعتبر بعض خطاباته من أرقى خطابات الزعماء في العالم أجمع وفق تصنيفات عالمية (أنصح بالاستماع إلى خطابه عن الاستهلاك على يوتيوب)؛ فهو مقطوعة فنية عظيمة من الخطاب السياسي، ستستمتع بها للغتها الراقية وقدرتها على التأثير، حتى لو لم تتفق معه في الأطروحات السياسية.

خوسيه موخيكا: لم يكن زُهده عجزاً ولا شعوذة سياسية، بل كان فلسفة حياة وعقيدة فكرية. خطابه الشهير في قمة “ريو+20” عن الاستهلاك والاستعباد للرأسمالية لم يكن مجرد كلام، بل كان واقعاً يعيشه في مزرعته وعلى متن سيارته الفولكس فاغن. كان يرى أن “الفقير ليس من يملك القليل، بل من يحتاج الكثير ولا يشبع”.

ما دعاني إلى الكتابة عن هذا الرئيس هو ما تناقلته وكالات الأنباء يوم الاثنين، من مشاهد لرئيس يزاحم المصورين في تغطية حدث رياضي خارج بلاده، ليقول للناس إن الحاكم يختار أن يراه الناس بشراً من دون حجاب.

هذا الحاكم هو رئيس التشيك “بيتر بافل”، الذي ظهر يوم الأحد في حلبة “هنغارورينغ” لتغطية منافسات سباق الجائزة الكبرى للفورمولا 1 في المجر.

وفي عام 2016، ضجت وسائل الإعلام بصورة رئيس وزراء بريطانيا حينها “ديفيد كاميرون” وهو يماكس (يساوم) شخصاً يشتري منه سيارة “نيسان” مستعملة لزوجته.ونقلت الصحف يومها عن صاحب السيارة “إيان هاريس” قوله: “لقد اتصل بي شخص وسألني إن كنتُ لا أمانع في أن يأتي رئيس الوزراء البريطاني لرؤية السيارة، وكنت متأكداً أن أحد أصدقائي يمازحني”. وأضاف: “لم أصدق ما رأته عيناي عندما جاء ديفيد كاميرون؛ فقد أمضى نصف ساعة وهو يبحث عن سيارة”.وتمت عملية الشراء بالفعل، حيث دفع كاميرون مبلغاً قيمته 2100 دولار في سيارة نيسان صغيرة موديل 2004، وقادها بنفسه نحو “داونينغ ستريت”.

الرؤوساء العظام هم أولئك الذين لا تغرهم السلطة… فهي زائلة لا محالة:

أَلا كُلُّ شَيءٍ ما خَلا اللَهَ باطِلُ
وَكُلُّ نَعيمٍ لا مَحالَةَ زائِلُ
وَكُلُّ أُناسٍ سَوفَ تَدخُلُ بَينَهُم
دُوَيهِيَةٌ تَصفَرُّ مِنها الأَنامِلُ

وحينما شعر هارون الرشيد بدنو أجله وهو على فراش الموت، قال لمن حوله: “أريد أن أرى قبري الذي أُدفن فيه”.فحملوه إلى قبره، فنظر الرشيد إلى القبر وبكى، ثم التفت إلى الناس من حوله وقال:$$\text{﴿مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ ۞ هَلَكَا عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾}$$ثم رفع رأسه إلى السماء وبكى وقال: “يا من لا يزول مُلكه، ارحم من قد زال مُلكه”.اليوم… الرئيس
بعض رؤساء العالم الثالث يشعرون انهم الهة في الارض و ان شعوبهم عبيدا و اوطانهم مزارع..

قد يعجبك ايضا