ملف من الجنوب
ماهر ابو طير
لا يبدو أن أحدا قادر، حتى الآن، على التعامل مع بعض القطاعات المتضررة بسببالحرب الإيرانية التي عادت وتجددت، بما يعني أن كلفة الحرب سترتفع أكثر على هذاالقطاع أو ذاك. وهذا حال ينطبق على الأردن، كما ينطبق على دول أخرى في المنطقة.
خرج أمس العاملون في القطاعين السياحي والتجاري في البترا ونفذوا وقفةاحتجاجية، مطالبين بإيجاد حلول عاجلة للأزمة التي يمر بها القطاع نتيجة تراجع الحركةالسياحية. ورفع المحتجون يافطات حادة تطالب باستقالة وزير السياحة، والأمينالعام، ومسؤولين آخرين، تعبيرا عن رد فعلهم تجاه التراجع الشديد الذي يشهده هذاالقطاع. وقد سبق ذلك إغلاق عشرات الفنادق في البترا، وتسريح أكثر من ألف موظف،في ظل تراجع النشاط السياحي، وهو أمر قد يتفاقم خلال الفترة المقبلة.
وأكد المشاركون أن استمرار هذا التراجع يهدد مصادر رزق مئات الأسر والمنشآتالمرتبطة بالسياحة، داعين الحكومة إلى اتخاذ إجراءات دعم حقيقية ووضع خططتنشيط تسهم في إنعاش الحركة الاقتصادية في المدينة، وهي مطالب تتكرر في مختلفالقطاعات عموما.
أما العقدة التي لا يتحدث عنها أحد بصراحة، فتتمثل في عدة أمور؛ أولها أن وضعالإقليم خطير، فمن الذي سيأتي إلى منطقة تُغلق مطاراتها بصورة متكررة، وتتطاير فيهاالصواريخ؟ وأي حكومات أو وكالات سفر ستعلن عن برامج لزيارة المنطقة، بما فيهاالأردن؟ كما أن مسؤولية الجانب الحكومي لا ينكرها أحد، لكنها مسؤولية تشاركية معأطراف أخرى، وليست محصورة بطرف واحد. وعلينا أيضا أن نعترف بأن إدارة هذاالملف لم تنجح، في المحصلة، في استعادة مستويات السياحة التي كانت سائدة فيأوقات سابقة، رغم تحسن بعض المؤشرات السياحية الجزئية في مناطق حيوية غيرالبترا.
وربما يرتبط الحل المطروح في كل مرة بالمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، إلا أنهذا الخيار يبدو مستبعدا هذه المرة، بعدما تحول الضمان، في نظر البعض، إلى جهةتقدم الدعم المالي خلال الأزمات، كما حدث في جائحة كورونا، دون أن يُسألالمشتركون عن رأيهم في إنفاق أموالهم لحماية الأفراد والشركات، وكأن واجبالمشترك يقتصر على الدفع فقط، أما الإنفاق والصرف فلا يملك حتى حق السؤال أوالاستفسار بشأنهما.
وهناك أصوات تطالب بتقديم دعم مالي من الضمان الاجتماعي للقطاع السياحي، إلاأن ذلك قد يثير موجة واسعة من ردود الفعل، ولا أظن أن أي جهة ستستجيب لهذهالمطالب، خاصة أن الضمان يواجه تحديات أكبر تتعلق بتعديلات قانون الضمان، وآليةاحتساب رواتب التقاعد، وسن التقاعد، ولا يمتلك ترف تقديم الإعانات والإغاثة في هذهالمرحلة، مقارنة بظروف سابقة تحفظ عليها اقتصاديون ومواطنون أصلا.
إن القطاع السياحي بحاجة إلى إنقاذ، ولا أحد يرغب في أن يتضرر، لكن الحل يجب أنيكون واضحا، وأن يقوم على مبادرات وأساليب جديدة بدلا من الاستسلام لهذا الواقع،مع الإدراك بأن الوضع الإقليمي المتفجر هو السبب الرئيس في تراجع تدفق السياح،دون أن يتحول ذلك إلى ذريعة دائمة. ولعل من أبرز الحلول الممكنة ابتكار برامجتستهدف الأردنيين والعرب لزيارة البترا، ضمن مسارات سياحية تشمل بقية مناطقالأردن، وربما سورية أيضا إذا كان الوضع الأمني فيها مستقرا كما ينبغي، في ضوءالمؤشرات التي تشجع بعض العرب على القدوم برا إلى الأردن ومنها إلى سورية.
لقد اتخذت الحكومة الحالية مبادرات ذات أثر اقتصادي، وحركت ملفات عانت منالجمود، مثل ملف المتأخرات المالية والقضايا الضريبية وغيرها، إلا أن ذلك لا يمنع منحثها على إيلاء القطاع السياحي مزيدا من الاهتمام، حتى لا نفقد، بعد حين، البنيةالتحتية التي يقوم عليها هذا القطاع.
إن حالة التذمر في منطقة البترا مشروعة، وعلى جميع الجهات التحرك فورا لإنقاذ هذاالقطاع والعائلات التي تعتمد في معيشتها عليه. وربما يكون من الواجب أن يتوجه كبارالمسؤولين والمعنيين في القطاع السياحي إلى البترا، للاستماع إلى الناس عن قرب،وعدم إضاعة الوقت في التأويل وسوء التأويل.الغد