الناقل الوطني”… مشروع دولة لا مشروع مياه
كتبت – ريم الرواشدة
لم يعد شحّ المياه في المملكة خلال العقدين الأخيرين مجرد تحدٍ تنموي يمكنالتعامل معه عبر حلول مرحلية أو خطط موسمية، بل تحوّل تدريجياً إلى ملف سيادييمسّ جوهر الأمن الوطني والاستقرار السياسي والاجتماعي.
ومن هذا المنطلق، تبرز الاتفاقية الأخيرة المتعلقة بتجهيز البنية التحتية الوطنيةلاستقبال وتوزيع المياه ضمن مشروع الناقل الوطني بوصفها خطوة تتجاوز أبعادهاالفنية والهندسية، لتعكس تحولات أعمق في دور الدولة وطبيعة أولوياتها، وفي شكلالتحالفات التي تتشكل إقليمياً ودولياً حول “الأمن المائي” باعتباره أحد أكثر التحدياتالاستراتيجية إلحاحاً في الشرق الأوسط خلال العقود المقبلة.
فقر في مصادر المياه، سدود تتباين في نسب تخزينها من الشمال الى الجنوب، مياهجوفية مستنزفة وفاقد مياه مرتفع ونمو سكاني متسارع، وضغوط لجوء إقليميمستمرة، وتغيرات مناخية قاسية، هذه التحديات دفعت الدولة الأردنية إلى الانتقالتدريجياً من منطق “إدارة الندرة” إلى محاولة بناء استراتيجية بقاء طويلة الأمد، يكونمشروع الناقل الوطني عمودها الفقري.
من هنا، فإن الاتفاقية الأخيرة لا يمكن قراءتها باعتبارها مشروع بنية تحتية فحسب، بلباعتبارها جزءاً من إعادة تعريف مفهوم الدولة ووظيفتها في مواجهة التحديات، إذ أنحديث الحكومة عن تجهيز الشبكات والخزانات وخطوط النقل لاستقبال مياه الناقلالوطني، فإنها عملياً تتحدث عن إعادة بناء القدرة الوطنية على الاستمرار والاستقرار فيواحدة من أكثر البيئات هشاشة مائياً في العالم.
وبحسب الاتفاقية الموقعة أمس الاحد، فإن الولايات المتحدة ستقدم تمويلاً بقيمة 69 مليون دولار ضمن برنامج تبلغ كلفته الإجمالية 78.2 مليون دولار، يهدف إلى تهيئةالبنية التحتية لاستقبال مياه مشروع الناقل الوطني، خاصة في محافظتي عمّان والزرقاء. وتشمل الأعمال إنشاء خزانات استراتيجية، وخطوط ناقلة، وربط الشبكات، وأنظمةحديثة للحد من الفاقد المائي.
لكن الأهمية السياسية للاتفاقية لا تتوقف عند الداخل الأردني. فالدعم الأمريكي الواسعلهذا المشروع يكشف عن أبعاد جيوسياسية أعمق تتجاوز قضية المياه نفسها.
الولايات المتحدة، عبر الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID، ليست مجرد جهةمانحة تمول مشاريع خدمية، بل شريك استراتيجي يرى في استقرار الأردن ضرورةإقليمية.
ولهذا، فإن ضخ عشرات الملايين من الدولارات في تجهيز البنية التحتية للمشروع، إلىجانب التزام أمريكي أوسع بدعم مشروع الناقل الوطني مالياً وفنياً، يعكس إدراكاً غربياًمتزايداً بأن الأمن المائي الأردني أصبح جزءاً من معادلة الاستقرار الإقليمي.
و يمكن فهم الدعم الأمريكي المستمر للمياه في الأردن ضمن مستويات مترابطة، أولهاما يُنظر إليه باعتباره استثماراً وقائياً في استقرار حليف استراتيجي، لوأد خلق بيئةخصبة للتوتر وعدم الاستقرار.
أما المستوى الثاني، فهو البعد المناخي والتنموي، إذ أن المملكة باتت تُقدم دولياًكنموذج للدول التي تواجه آثار التغير المناخي الحاد وشح الموارد الطبيعية، ولذلك فإنمشروع الناقل الوطني لا يُسوَّق فقط باعتباره مشروعاً أردنياً، بل باعتباره نموذجاً عالمياًلكيفية تعامل الدول الفقيرة مائياً مع أزمات المستقبل.
داخلياً، تحمل الاتفاقية أيضاً رسالة سياسية واضحة: الدولة الأردنية تحاول استعادةثقة المواطن بقدرتها على التخطيط طويل الأمد. فالمياه بالنسبة للأردنيين ليستمجرد خدمة، بل قضية ترتبط بالحياة اليومية والعدالة الاجتماعية والاستقرارالاقتصادي. وأي تحسن في انتظام التزويد أو كفاءة الخدمات ينعكس مباشرة علىالمزاج العام والثقة بالمؤسسات.
كما أن مشروع الناقل الوطني ينسجم مع رؤية التحديث الاقتصادي التي تحاول الدولةمن خلالها إعادة تعريف دورها التنموي. فالمشروع لا يمثل فقط استجابة لأزمة المياه،بل اختباراً لقدرة الأردن على تنفيذ مشاريع سيادية ضخمة في بيئة إقليمية واقتصاديةمعقدة، وتحويل التحديات إلى فرصة لإعادة بناء الاقتصاد والبنية التحتية ومفهومالأمن الوطني نفسه.
في المحصلة، تكشف الاتفاقية الأخيرة أن الأردن دخل فعلياً مرحلة جديدة في إدارةملف المياه، مرحلة لم تعد فيها المياه قضية خدمات عامة، بل قضية سيادة واستقرارومستقبل دولة. ولذلك، فإن مشروع الناقل الوطني، والدعم الأمريكي المرتبط به، لايمثلان مجرد تعاون تقني أو مالي، بل يعكسان تحولاً استراتيجياً في فهم المنطقةلأهمية “الأمن المائي” باعتباره أحد أهم محددات السياسة والاقتصاد والاستقرار خلالالعقود المقبلة.