الأردن: “المضيق البري المستدام” في مواجهة أزمة هرمز
د.عبير مصلح
العالم كله ينشغل بمراقبة أسعار النفط جراء أزمة مضيق هرمز المشتعل، بينما يختبئخلف هذه الأزمة تهديد اقتصادي أكثر فتكًا، وهي أزمة الأسمدة العالمية عبر احتجازنصف إمدادات العالم من الأسمدة خلف المضيق الذي بات رهينة لصراع السياسة فيالمنطقة.
هذا الاحتجاز لا يرفع كلف الإنتاج الزراعي فحسب، بل يهدد خصوبة الأرض وأمنالرغيف العالمي في الأعوام القادمة، مهددًا ما يسمى “الذهب الأبيض” وهو مستقبلالأمن الغذائي العالمي.
في ظل هذه الأزمة المتعلقة بسلاسل التوريد البحرية، لم يعد الأردن بموقعهالاستثنائي مجرد جغرافيا محاطة بالأزمات، بل بات يمثل ما يعرف بـ”المضيق البري”،لأنه برز وبقوة كطوق نجاة يستطيع أن يكسر عزلة الموانئ الخليجية ليصبح مركز ثقللوجستيًا يربط موانئ الخليج بالعالم، وفي الوقت نفسه يقدم للعالم نموذجًا للممرالآمن والمستدام يضمن من خلاله استمرار سلاسل الإمداد العالمية ويعزز مكانةالمملكة الإقليمي، ليحول التحدي الجيوسياسي إلى فرصة يقلب بها معادلة الممرالاضطراري إلى نموذج للممر الآمن والمستدام.
لتحقيق هذه المعادلة، وانطلاقًا مما سبق، فإن الواقع السياسي يفرض علينا إعادةقراءة أزمة مضيق هرمز من منظور “سيادة الأسمدة”، حيث تشير البيانات الاقتصاديةإلى أن قرابة 49 % من صادرات اليوريا والأمونيا العالمية تمر عبر مضيق هرمز، وتعطلتصدير هذه الأسمدة لا يعني فقط ارتفاعًا آنيًا في الأسعار، بل نحن بصدد أزمة “جوعصامت” نتيجة خلل بنيوي في منظومة الغذاء العالمية، وغياب الأسمدة اليوم يترجملاحقًا إلى عجز محاصيل العام القادم.
في هذا السياق يتجاوز دور الأردن من كونه جسرًا بريًا آمنًا ليصبح مخزونًا إستراتيجيًاللأسمدة العالمية، حيث تلتقي ميزة الموقع مع قوة المورد، إذ يمتلك الأردن مناجمالفوسفات والبوتاس، وهي مفاتيح إستراتيجية وموارد أولية لسد النقص في الأسواقالعالمية المذعورة من شبح نقص الغذاء.
إن مواءمة هذا السلاح الناعم، إن صح التعبير، مع دور الأردن الجديد كـ”مضيق بري”،يضع الأردن في موقع القيادة اللوجستية والإنتاجية معًا، وإن استثمار ذلك يتطلب رؤيةقادرة على تحويل الأزمة إلى مكتسبات سيادية تعزز الأمن القومي والرخاء الاقتصادي.
بناءً على هذه المعطيات التي تضع المملكة أمام استحقاق تاريخي يطرح سؤالجوهري يفرض نفسه بجرأة: هل نمتلك اليوم في الأردن البنية التحتية والتشريعيةبالإضافة إلى المرونة الكافية لمنافسة الممرات المائية الدولية؟
التطبيق العملي لتحقيق هذا الاستحقاق المتمثل في تحقيق التنافسية العالميةيتطلب ثورة في الخدمات اللوجستية تحت مظلة إدارة للأزمات اللوجستية، حيث إنالعبور بالأردن نحو المضيق البري لا يمكن أن يتحقق بأدوات الماضي، بل يتطلب أولًاتحويل الطريق الصحراوي من مسار تقليدي للشاحنات إلى شريان لوجستي ذكيمدعوم بالتقنيات الرقمية وأنظمة التتبع اللحظي، كما يستوجب ذلك إطلاق شراكاتسريعة بين القطاعين؛ العام والخاص لتطوير أساطيل نقل ذكية عبر تخصيص ما يسمى“الممرات الخضراء” المخصصة للأسمدة والسلع السيادية، إضافة إلى تخفيضالرسوم على سلع العبور الإستراتيجية لتقرير التنافسية، وكذلك أتمتة الحدود لتسريععبور الشاحنات، وتدشين مراكز لوجستية متكاملة في المفرق ومعان تعمل كموانئجافة.
من الجدير بالذكر هنا، أن سد العجز العالمي لا يتطلب ممرات آمنة وحسب، بل يتطلبثورة صناعية تزيد من عدد ونوعية مصانع الأسمدة السائلة والمركبة، وتحويل الأردنإلى منصة لإنتاج أسمدة الطوارئ الدولية لتقدم للعالم حلًا متكاملًا للأمن الغذائي،تجعل المملكة ذات سيادة اقتصادية، والرقم الصعب في معادلة سلاسل الإمدادالعالمية.
أزمة مضيق هرمز تدعونا إلى خلق جغرافيا سياسية جديدة تمنح الممرات البريةأهمية تضاهي المضائق البحرية، والأردن أمام فرصة التقاط هذه اللحظة التاريخية،فإما أن يكتفي بدور الممر الاضطراري، أو يتقدم بشجاعة ليكون المضيق البريالمستدام الذي يحمي أمن الغذاء والطاقة العالميين.
إنه تجسيد حي لمقولة “رب ضارة نافعة”، فبينما تضيق المسارات البحرية، يصبحالأردن أمام استحقاق القيادة اللوجستية، ما يضع الكرة في ملعب الرؤية التنفيذيةلتحويل ضغوط الأزمة إلى عهد جديد من السيادة اللوجستية والاقتصاديةالشاملة.الغد