تقاطعات الطاقة والإستراتيجية الجديدة
احمد حمد الحسبان
لست مختصا في قطاع الطاقة، لكنني أتعامل مع مفرداته كمواطن عادي، وصحفيمتابع لقضايا الوطن والمواطن منذ ما يزيد على 45 عاما، ومعاصرا للكثير من التداعياتالتي ما زالت تترك أثرا على مستوى الحياة العامة سلبا وإيجابا.
فقطاع الطاقة هو الأكثر التصاقا بحياة العامة، والأكثر تأثيرا على المستوى المعيشيللمواطن، وأي تغيير في عمليات التزويد أو التسعير تنعكس مباشرة على كل مفرداتالحياة. ومن ذلك ما نتعامل معه حاليا، حيث انعكست تداعيات الحرب الأميركيةالإسرائيلية ضد إيران بصماتها السلبية على العالم ككل، وعلى الأردن بشكل خاص بحكماعتماده على الخارج في معظم احتياجات الطاقة، وتأثير ذلك على كل متطلبات الحياة.
ومع أن الظرف قد لا يكون ملائما لوضع وإعلان الإستراتيجية في هذا الظرف متسارعالتغيير، إلا أن إدراجها على أجندة مجلس الوزراء وتحويلها إلى تصورات قد تكون قابلةللتنفيذ يسجل للحكومة التي أعطت قطاعي المياه والطاقة اهتمامها أيضا من خلالالتركيز على مشروع الناقل الوطني ومتطلباته من الطاقة إضافة التي تصوراتها لقطاعالطاقة ككل.
اللافت هنا أن استراتيجية الطاقة التي ركزت على توفير المتطلبات وزيادة الإنتاجالمحلي للطاقة الكهربائية والغاز والهيدروجين الأخضر، واستيراد المشتقات النفطية،وتحسين النوعية وتقليص الفاقد. لم تتطرق إلى الكلفة المتصاعدة، ولو من قبيلالنوايا، مع أن المستهلك يعاني حاليا أكثر من أي وقت مضى نتيجة ارتفاع الأسعارالعالمية، وتحميله الكلفة كاملة مع الرسوم والضرائب المقطوعة المفروضة علىالمحروقات، وتأثيرات ذلك على مختلف المتطلبات الحياتية.
فكل ما فعلته الحكومة ـ قبل الاستراتيجية ـ جدولة الزيادات في أسعار المحروقاتالناجمة عن تطورات الاحداث في المنطقة بدلا من فرضها دفعة واحدة، فارتفعتالكلفة بنسبة تصل إلى عشرين بالمائة تقريبا خلال شهرين، وما زالت مرشحة للمزيدمن الارتفاع على مدى الأشهر المقبلة، وفقا لمخرجات الأسواق العالمية المتأثرةبمجريات الحرب وأزمة مضيق هرمز. بينما الحديث عن تعرفة متدرجة وفقا لساعاتالذروة فمن غير المؤكد أن ينعكس إيجابيا على القطاع الواسع من المشتركين.
الأمر الثاني الذي لا بد من الإشارة اليه، أن الاستراتيجية تغطي الفترة ما بين 2025 و2035 . وهي الفترة التي ما زال قطاع الكهرباء ـ تحديدا ـ مرتبط باتفاقيات توليد معشركات أعقبت عمليات الخصخصة. وهي الاتفاقيات التي ترى الكثير من الجهاتالمختصة ومنها جهات رسمية أنها اتفاقيات مجحفة بحق الخزينة أولا، والمواطن ثانيا.
فالاتفاقيات التي تنص على شراء جميع كميات التوليد المتفق عليها وبأسعار مرتفعة، لاتنتهي قبل العام 2027. وتمتد فعالية بعضها حتى العام 2035، و 2040، وإحداها إلىالعام 2045 أي إلى ما بعد سريان الاستراتيجية. ما يمكن فهمه بأنه قيود على بعضمفرداتها، ومعيق لأي نوايا لتخفيض الكلفة المرتفعة أصلا، والمرشحة للارتفاع منجديد وفقا للظروف الإقليمية والدولية.
ويمكن هنا استذكار محاولات الحكومة الضغط على الشركات المعنية لإعادة دراسةالاتفاقيات المبرمة معها أملا بتخفيض السعر، ورفض تلك الشركات. وكذلك اللجوءللقضاء الدولي لحسم الخلاف اللاحق مع شركة العطارات، وحسم الخلاف لصالحالشركة.
كل ذلك لا يلغي ما في الاستراتيجية من إيجابيات من بينها السعي لتطوير عملياتالإنتاج في حقل الريشة الغازي، ورفع الكميات المنتجة وصولاً إلى 418 مليون قدممكعب يومياً عام 2029، و812 مليون قدم مكعب يومياً بحلول عام 2035. وإنشاء خطأنابيب لربط حقل الريشة مع خط الغاز العربي، ورفع إنتاج الطاقة المتجددة من 27 بالمائة تقريبا الى 40 بالمائة. فمعظمها معطيات مهمة لكنها تبقى بعيدة عن عاملالكلفة المرتفعة التي تشكل هاجس المواطن وهمه الأكبر.الغد