أميركا وإسرائيل وإيران: الحرب الأخيرة

11

رفيق خوري

ملخص

من المستحيل على طهران إعادة المنطقة إلى ما قبل التحولات الهائلة في حروب مابعد “طوفان الأقصى”، وبالذات إلى ما قبل الحرب الأميركيةالإسرائيلية المشتركة. فهذه هي الحرب الأخيرة التي لا حرب كبيرة بعدها، وإن لم يتحقق السلام الشامل. وملامح النظام الأمني الإقليمي بدأت في الظهور، ومعها ملامح نظام عالمي جديد.

في مذكرات إسحاق رابين رواية معبرة جداً عن التصورات في إسرائيل والعالم العربيعشية حرب 1967 يعكسها لقاء مع زعيمه مؤسس إسرائيل ديفيد بن غوریون. قالرئيس الأركان ثم رئيس الحكومة المغتال بعد “اتفاق أوسلو” على ید صهيوني متطرف“ذهبت إلى بن غوريون لأحصل على دعمه وتشجيعه، فقال لي ’أنت أخذت الأمة إلىوضع خطر جداً. لا يجب أن تذهب إلى الحرب. نحن معزولون وأنت تتحملالمسؤولية‘”. لكن الحرب انتهت خلال ستة أيام بأكبر هزيمة عربية سميت “نكسة”، إذاحتلت إسرائيل سيناء والجولان والضفة العربية بما فيها القدس.

كان رد الفعل العربي المباشر شعبياً ورسمياً مزيجاً من الشعور بالإهانة والرغبة فيالتحدي، بحيث وافق القادة العرب المجروحون وفي طليعتهم الرئيس جمالعبدالناصر على اللاءات الشهيرة في قمة الخرطوم “لا تفاوض، ولا صلح، ولا اعتراف”. لكن السياسة الواقعية طوت اللاءات وانتقل الموقف الرسمي من تحرير فلسطين إلی“إزالة آثار العدوان”، أي استعادة ما خسره العرب عام 1967 والتسليم الضمني بمااحتلته إسرائيل عام 1948. وهكذا رأينا من يفاوض ويصالح ويعترف بين “دول الطوق”،ومن يذهب إلى أبعد من ذلك وإن لم یكن له دور في الحرب أو على تماس مع إسرائيل.

وما كانت حرب أكتوبر عام 1973 من أجل تحرير فلسطين، بل من أجل إزالة آثارالعدوان. حرب تحريك لا حرب تحرير. ويسجل الدكتور ويليام كوانت الذي عمل فيالإدارة الأميركية أيام الرئيس ريتشارد نيكسون أن الرئيس أنور السادات بعث في اليومالتالي لبدء الحرب رسالة إلى نيكسون جاء فيها “أعلم أنه ما دامت الحرب مستمرةفنحن على طرفين متناقضين، وهو شيء لا بد منه. لكني أريدك أن تفهم لماذا ذهبتإلى الحرب. أنا لم أذهب لتدمير إسرائيل بل لتدمير المأزق. وعندما تنتهي الحرب أريدمن الأميركيين أن يأتوا ويساعدوا في إيجاد حل سياسي للصراع”. وهذا ما قام بهالدكتور هنري كيسنجر، ثم الرئيس جيمي كارتر بعد زيارة السادات للقدس.

وهكذا تخلت الدول العربية عن الحرب الكلاسيكية تاركة للمقاومة الفلسطينية تجربةالكفاح المسلح، ثم أعلنت في قمة بيروت عام 2003 أن السلام هو الخيار الاستراتيجيتحت شعار “الأرض مقابل السلام. الانسحاب الكامل مقابل السلام الشامل”.

وهكذا أمسكت الثورة الإسلامية في إيران بورقة فلسطين، وأنشأت فصائل مقاومةأيديولوجية مذهبية مسلحة ودعمت بالمال والسلاح حركتي “حماس والجهادالإسلامي” في غزة و”أنصار الله” الحوثيين في صنعاء رافعة شعار “إزالة” إسرائيل منعلى الخريطة وطرد الوجود العسكري الأميركي من غرب آسيا. وبدت عملية “طوفانالأقصى” التي أذهلت العالم وزلزلت إسرائيل على يد “حماس”، حسب شعارات يحيىالسنوار ومحمد ضيف، البداية العملية لحرب تحرير فلسطين.

لكن رد إسرائیل بدعم أميرکي جاء على شكل حرب إبادة في غزة، وحرب تكسير وتهجيروتفجير واغتيالات للقادة والكوادر في “حزب الله”، وحرب اغتيال القيادات وضربالبنية العسكرية والمفاعلات النووية في إيران بمشاركة أميركا. ومع أن إیران وأذرعها فيغزة ولبنان والعراق واليمن تتصرف على أساس الاستمرار في إكمال المقاومة التي تركزعلى حرب الصواريخ والمسيرات، إلا أن اللعبة صارت أكبر منها. فالرئيس دونالد ترمبأمسك باللعبة وجمع أضخم حشد عسكري براً وبحراً وجواً في المنطقة وبدأ حرباًواسعة بمشاركة نتنياهو على إيران

وليس عرض التفاوض تحت النار سوى تكتيك في استراتيجية الحرب. فما تطلبه أميركافي أية صفقة هو ما أرادت الحصول عليه بالقوة، إنهاء المشروع النووي بكامله والذيأنفقت عليه طهران عشرات المليارات من الدولارات، وتحملت من أجله أقسىالعقوبات الأميركية والأوروبية والدولية في مجلس الأمن، وتحديد حجم البرنامجالصاروخي ومداه، والتوقف عن مد النفوذ في المنطقة كما عن تقديم السلاح والمالللفصائل المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني. ومن الصعب على الجمهورية الإسلاميةقبول ذلك على رغم ما خسرته في الحرب حتى اليوم، وهو كثير جداً.

 ولا يبدل في عمق اللعبة الاستراتيجية والجيوسياسية أن إيران لا تزال تملك منالصواريخ والمسيرات ما تقصف به دول الخليج وإسرائيل والقواعد العسكريةالأميركية، فالفصل الأخير في السيناريو مكتوب سلفاً. ولا يفيد الهرب إلى الأمام مماأحدثته الحرب الأميركيةالإسرائيلية التي تمثل الذروة في التحولات الهائلة، وأبرزها فيالمنطقة بعد ضرب “حماس” داخل غزة و”حزب الله” في لبنان وحرب الـ12 يوماً معإيران خلال الصيف الماضي، وسقوط نظام الأسد وخسارة إيران للجسر السوري الذيانكسر وكسر معه “الهلال الشيعي” في ظل “ولاية الفقيه”.

ذلك أن الحرب الكلاسيكية التي طوت القمة العربية صفحتها مع فشل المقاومةالفلسطينية في الحرب الشعبية لتحرير فلسطين قادت الأحداث في اتجاهينمتعاكسين، أولهما طموح الجمهورية الإسلامية إلى مواجهة “الشيطان الأكبر”و”الشيطان الأصغر” على الطريق إلى إعادة تشكيل المنطقة تحت عباءة الولي الفقيه. وثانيهما طموح أميركا وإسرائيل إلى “تحریر” إیران من النظام أو أقله خلع أنيابه وتدميرأسلحته وكسر أذرعه وإنهاء نفوذه في الشرق الأوسط الجديد. وليس من المؤكد أنتربح أميركا کل شيء، لكن من المستحيل على طهران إعادة المنطقة إلى ما قبلالتحولات الهائلة في حروب ما بعد “طوفان الأقصى”، وبالذات إلى ما قبل الحربالأميركيةالإسرائيلية المشتركة. فهذه هي الحرب الأخيرة التي لا حرب كبيرة بعدها،وإن لم يتحقق السلام الشامل. وملامح النظام الأمني الإقليمي بدأت في الظهور، ومعهاملامح نظام عالمي جديد. الاندبندنت

قد يعجبك ايضا