“ديمونة” و”خيار شمشون” الصهيوني
نادية سعد الدين
لا يجد الكيان المُحتل أمام مآزقه المتوالية منذ حرب الإبادة ضد قطاع غزة مناصاً منالاستعانة مُجدداً بأحد أساطيره التوراتية المزعومة عبر ترويج الربط بين مفاعل«ديمونة» النووي و»خيار شمشون» الهالك، رغم ما يكشفه مرة أخرى من ازدواجيةالمعايير الدولية التي تحمي «معبداً» صهيونياً «مُقدساً» على حساب أمن واستقرارالمنطقة.
تقوم الرواية الصهيونية الزائفة هنا على ربط اسم المفاعل بمصطلح «خيار شمشون» (Samson Option) المُستمد من قصة الشخصية التوراتية «شمشون» الذي هدمالمعبد على رأسه ورؤوس أعدائه، بحيث يُمثل الخيار إستراتيجية الردع النووي كملاذأخير. فعند فشل الأسلحة التقليدية في صد الرد العسكري على عدوان الاحتلال بمايُهدد كيانه بالزوال، فإنه قد يلجأ للتهديد باستخدام سلاح «ديمونة» الفتاك لتدميرالمنطقة بأكملها، بوصفه انتحاراً إستراتيجياً لضمان عدم خروج أي طرف منتصراً، فيإطار عقلية «هدم المعبد» على الجميع.
هذا الربط الذي يتم الترويج له بكثافة الآن يخدم مصالح الاحتلال السياسيةوالعسكرية الوازنة، سبيلاً لتوظيفه في؛ رأب الصدع الداخلي، وكأداة ردع مُضادةللضربات المُوجعة التي يتلقاها نتيجة عدوانه المشترك مع واشنطن على إيران، وكقوةتفاوضية لاحقة، ووسيلة «ابتزاز» إستراتيجي ضاغطة لضمان مضيهما معاً في مسارقاتم، عدا هدف فرض الهيمنة الإقليمية.
يُعد مفاعل «ديمونة»، الواقع في قلب صحراء النقب الفلسطينية المحتلة، حجرالزاوية لخيار توراتي زائف، وركيزة جوهرية لعقيدة نووية صهيونية قائمة على التهديدبالفناء الشامل كأداة ردع، وقاعدة أساسية لبناء قدرة عسكرية استثنائية نقلت الاحتلالإلى قوة نووية غير معلنة، محمية بصمت دولي، وليس مجرد مشروع فني لإنتاج الطاقةأو الأبحاث العلمية كما يدعي.
غير أن خطورة «ديمونة» تكمن في نقاط مُعتبرة تجعله يتفوق في تهديده على أيمنشأة أخرى:
أولاً: التقادم التقني، فالمفاعل الذي بدأ العمل عام 1963، تجاوز عمره الافتراضي (40 عاماً) بأكثر من عقدين باعتباره مفاعلاً قديماً، مما يشكل تحدياً بيولوجياً وهندسياً لايمكن تغافله.
ثانياً: عيوب البنية، تشير تقارير علمية نشرتها صحف مثل «هآرتس» بالكيان المحتلإلى رصد أكثر من 1537 عيباً وموضع خلل في البوتقة المعدنية للمفاعل نتيجة التآكلالإشعاعي الطويل وتقادم المواد، مما يجعله خطراً بيئياً عابراً للحدود، وسط تحذيراتخبراء صهاينة، مثل البروفيسور «عوزي إيفين»، من ضرورة إغلاقه لأسباب أمنيةوتقنية، بدون جدوى تحت غطاء الضرورات الأمنية المزعومة.
ثالثاً: القدرة الإنتاجية، تشير تقديرات استخباراتية أميركية، بعضها قديم، إلى أنالمفاعل كان قادراً على إنتاج ما يكفي من البلوتونيوم لصنع قنبلة ذرية خلال 8 إلى 6 أسابيع فقط منذ بداياته، فيما تُقدر تقارير مختصة بأنه ينتج سنوياً ما بين 9 إلى 10 كيلوغرامات من البلوتونيوم الصالح لصنع الأسلحة.
وبناء على تقارير استخباراتية ودولية، أبرزها تسريبات «موردخاي فعنونو» عام 1986،فإن «ديمونة» ينتح كميات من البلوتونيوم تكفي لصناعة ترسانة ضخمة، تتراوح وفقمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) واتحاد العلماء الأميركيين بين 80 إلى200 رأس نووي، مما يضع الاحتلال في المرتبة السادسة عالمياً بين القوى النووية.
رابعاً: بالاستناد إلى «سياسة الغموض النووي» (Ambiguitiy) التي يتبناها منذ عقود،بعدم نفي أو تأكيد امتلاك السلاح النووي، فإن الاحتلال يحقق بذلك أهدافاً مزدوجة،تتمثل في:
أولاً: تجنب الضغوط الدولية عبر الهروب من التفتيش الإلزامي للوكالة الدولية للطاقةالذرية (IAEA)، وتفادي عقوبات معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية (NPT) التي لميُوقع عليها.
ثانياً: تحقيق الردع النفسي عند ترك «الخصوم المُتصورين» في حالة من الشك الدائم،مما يمنعهم من شن هجوم شامل يهدد وجود كيانه، خوفاً من رد فعل نووي غيرمتوقع.
وأمام غياب الرقابة الدولية؛ يعتبر «ديمونة» المنشأة النووية الوحيدة في المنطقةالتي لا تخضع للتفتيش. أما الموقف الأميركي فيتحرك وفق تفاهم مع الاحتلال عام1969، مما يجعله شريكاً وحامياً سياسياً لديمونة في المحافل الدولية، ومُحبطاً لمساعٍعربية في الأمم المتحدة لعقد مؤتمر دولي يلزم الاحتلال بالكشف عن قدرات المفاعل،وماداً بالمساعدات الضخمة لتطوير وسائط النقل التي تحمل الرؤوس النووية المنتجةفيه، ومانعاً لأي تحرك جاد لجعل الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمارالدولية الشامل.
إن «ديمونة» هو المحرك الأول لعدم الاستقرار في المنطقة، وسط معايير دوليةمزدوجة تسمح له بالبقاء خارج الرقابة وفوق القانون الدولي وامتلاك تكنولوجياعسكرية فتاكة، بينما ينشغل العالم بمحاصرة دول أخرى بالعقوبات، مثل إيران، لمجردإما الاشتباه في أنشطتها أو تلفيقها لأهداف سياسية، رغم كونها عضواً في المعاهدةوتخضع منشآتها للتفتيش.الغد