عصر المليارديرات .. كيف حل المال محل الدبلوماسية
عصر المليارديرات: كيف حلّ المال محلّ الدبلوماسية
هاني الهزايمة
كان هناك زمن، ولو نظريًا، تُدار فيه الشؤون الدولية عبر المعاهدات والقانون الدولي وإيقاع دقيق من الدبلوماسية. ذلك الزمن يتلاشى بسرعة. ما يحلّ محلّه اليوم أكثر فجاجة وخطورة: عالم باتت تحدد مساراته مصالح المليارديرات، وميزانيات الشركات العملاقة، وشبكات النفوذ الخاصة. أزمة فنزويلا تقدّم أحد أوضح الأمثلة على كيف لم تعد السياسة العالمية تدور حول السيادة أو القانون أو حتى الأيديولوجيا، بل حول من يسيطر على الأصول الاستراتيجية ومن يجني الأرباح.
لأكثر من عقد، علِقت فنزويلا في شدٍّ وجذب جيوسياسي لا علاقة له فعليًا بالديمقراطية بقدر ما يرتبط بالنفط والديون والسيطرة. فالدولة التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم لم تعد مجرد بلد يمر بأزمة، بل أصبحت غنيمة. ومع انهيار اقتصادها تحت وطأة سوء الإدارة والفساد والعقوبات، تحوّلت إلى ساحة صراع بين مصالح مالية وشركات عالمية تسعى لتحديد من يحكم كاراكاس وبأي شروط.
عندما اعترفت واشنطن بخوان غوايدو رئيسًا مؤقتًا عام 2019، قُدّم القرار بوصفه موقفًا أخلاقيًا لدعم الديمقراطية. لكنه في الواقع فتح الباب أمام نقل السيطرة على أصول فنزويلا في الخارج، وعلى رأسها شركة «سيتغو» النفطية، إلى إدارة مدعومة من المعارضة. لم يكن ذلك مجرد خطوة دبلوماسية، بل تدخلًا ماليًا وشركاتيًا جمد مليارات الدولارات من الأصول وأعاد توجيهها تحت سلطة طرف سياسي منسجم مع المصالح الاقتصادية الغربية.
في الوقت ذاته، كانت صناديق التحوط والدائنون من القطاع الخاص وشركات النفط متعددة الجنسيات تطوّق المشهد. ديون فنزويلا الخارجية الضخمة، التي يمتلك جزءًا كبيرًا منها مستثمرون خاصون، حوّلت البلاد إلى ساحة معركة قانونية في محاكم نيويورك ولندن. بات سؤال من يحكم فنزويلا مرتبطًا مباشرة بمن يُسدَّد له ومن يحصل على نفطها. دعاوى السندات المتعثرة والتحكيمات ومصادرة الأصول غالبًا ما كان لها وزن أكبر من أصوات الفنزويليين أنفسهم.
حتى نظام العقوبات الأميركية، الذي يُقدَّم عادة كأداة للضغط على الرئيس نيكولاس مادورو، عمل عمليًا كآلية لإعادة تشكيل الأسواق وإعادة توزيع القوة الاقتصادية. فمنع فنزويلا من بيع نفطها بحرية خلق شحًا وفرصًا في آن واحد، ودفع كاراكاس إلى إبرام صفقات غامضة مع وسطاء وتجار ظل وشركاء أجانب مستعدين لتحدي القيود مقابل خصومات كبيرة. هذه الشبكات راكمت ثروات هائلة، بينما دفع المواطن الفنزويلي الثمن في صورة نقص الغذاء والدواء والتضخم والانهيار الاقتصادي.
ما نشهده ليس استثناءً، بل نمطًا متكررًا. المستثمرون المليارديرات والشركات متعددة الجنسيات أصبحوا فاعلين جيوسياسيين بحكم الأمر الواقع. محاموهم ولوبياتهم وأدواتهم المالية باتت تنافس السفارات و وزارات الخارجية في رسم المآلات. وعندما تضعف دولة ما، كما حدث في فنزويلا، لا تتحرك الأمم المتحدة أولًا، بل حملة السندات ومحاكم التحكيم وتكتلات الطاقة.
يتجلى هذا التحول أيضًا في كيفية اصطفاف القرارات السياسية مع الاستراتيجيات الشركاتية. عمالقة النفط يضغطون لرفع العقوبات عندما تخدم مصالحهم ويصمتون حين لا تخدمها. الكيانات المالية الكبرى تدفع نحو أطر قانونية تتيح لها استخراج القيمة من الدول المتعثرة. وفي عواصم كبرى، يتصرف قادة سياسيون أحيانًا لا كحماة للنظام الدولي، بل كوسطاء لمصالح اقتصادية نافذة.
خطر هذا النظام أنه يفرغ فكرة سيادة القانون من مضمونها. فالقانون الدولي وُضع لتنظيم علاقات الدول، لا ليكون صندوق أدوات لنهبها. ومع ذلك تُستخدم اليوم أدواته لمصادرة الأصول وفرض الديون وإعادة تشكيل الحكومات بما يخدم الثروة الخاصة لا المصلحة العامة. ذهب فنزويلا المجمّد في لندن، وأصولها النفطية في الولايات المتحدة، وشبكة الدعاوى في محاكم العالم، كلها تروي قصة دولة جرى تقاسم سيادتها لمن يدفع أكثر.
هذا هو النظام العالمي الجديد. الدبلوماسية لا تزال موجودة، لكنها غالبًا ما تلعب دورًا ثانويًا أمام المال. السفارات تفتح الأبواب، لكن العقود هي التي تحدد من يعبرها. والاعتراف السياسي لا يُمنح فقط على أساس الشرعية، بل على أساس مدى توافقه مع المصالح المالية والاستراتيجية.
بالنسبة لدول الجنوب العالمي، ينبغي أن يكون هذا إنذارًا واضحًا. فضعف الدولة والأزمات الاقتصادية والاضطراب السياسي لم تعد مشكلات داخلية فحسب، بل دعوات مفتوحة للافتراس الاقتصادي الخارجي. مأساة فنزويلا ليست فقط في سوء إدارتها الداخلي، بل في أن انهيارها جعلها فريسة لنظام عالمي باتت فيه الشركات والمليارديرات أقوى من البرلمانات وأكثر تأثيرًا من الدبلوماسيين.
إن لم يُواجَه هذا المسار، فإننا نتجه إلى عالم لا تحكمه قواعد مشتركة، بل نفوذ خاص. قد تظل الأعلام مرفوعة فوق السفارات، لكن الشعارات التجارية هي التي ستدلّ على مراكز القرار الحقيقية في النظام الدولي.الرأي