تايوان بين مطرقة الانقسام الداخلي وسندان التسليح الأمريكي.. لاي تشينغ-ده تحتالضغط وواشنطن تدير اللعبة

80

تايوان بين مطرقة الانقسام الداخلي وسندان التسليح الأمريكي.. لاي تشينغده تحتالضغط وواشنطن تدير اللعبة

العقبة الإخباري – وكالات

في وقتٍ يتصاعد فيه الاحتقان السياسي داخل تايوان، تتشابك الأزمات الداخلية معالتحركات الأمريكية المتسارعة على خط التسليح والتغلغل العسكري، ما يضع حكومةلاي تشينغده في قلب معادلة معقّدة، تتداخل فيها الحسابات الحزبية المحلية معالاستراتيجية الأمريكية الأوسع في مواجهة الصين.

يرى محللون أن إقدام الحزب الديمقراطي التقدمي الحاكم على ما وُصف بـ«تحطيمقواعد اللعبة» كان ينبغي أن يُواجَه بردٍّ سياسي أكثر حسمًا من قبل حزب الكومينتانغوحزب الشعب التايواني، يتمثل في «قلب الطاولة» عبر طرح حجب الثقة لإسقاطالحكومة.

ويؤكد هؤلاء أن إسقاط الجهاز التنفيذي كان من شأنه أن يقيّد قدرة لاي تشينغده علىحل «الهيئة التشريعية»، إلا أن لجوء حزبي المعارضة إلى مسار عزلٍ يعلم الجميعمسبقًا صعوبة نجاحه، يُعد خيارًا متوسطًا يفتقر إلى التأثير السياسي الفعّال.

وجاءت هذه التطورات على خلفية الأزمة التي فجّرها الجدل حول مشروع تعديل بعضمواد «قانون توزيع الإيرادات والنفقات المالية»، حيث تجنّب كل من حزب الكومينتانغ(المعسكر الأزرق) وحزب الشعب التايواني (المعسكر الأبيض) خيار التصعيد الكاملوصولًا إلى إسقاط الحكومة، واكتفيا برفع مستوى المواجهة درجة واحدة، عبر توجيهالاستهداف السياسي مباشرة إلى لاي تشينغده.

وفي 19 ديسمبر، أعلن الحزبان بدء إجراءات عزل لاي تشينغده داخل «الهيئةالتشريعية». وتزامن ذلك مع إطلاق ناشطين مدنيين عريضة إلكترونية لعزله، تجاوزعدد الموقّعين عليها 6 ملايين شخص خلال أقل من 24 ساعة.

ورغم أن هذه العريضة لا تحمل صفة الإلزام القانوني، فإنها تعكس، من زاوية واحدةعلى الأقل، حجم الغضب الشعبي والمزاج العام تجاه السلطة الحاكمة.

ومع ذلك، تبقى فرص نجاح عزل لاي تشينغده عبر المسار القانوني محدودة للغاية. فوفقًا للوائح المعمول بها في تايوان، يتطلب بدء إجراءات العزل موافقة نصف أعضاء«الهيئة التشريعية» على الأقل، وهو ما يمكن لحزبي الكومينتانغ وحزب الشعبالتايواني تحقيقه، إلا أن المرحلة الحاسمة التالية تشترط موافقة ثلثي الأعضاء (76 مقعدًا) لإقرار القرار النهائي، وهو ما لا تمتلكه قوى المعارضة من حيث التمثيلالبرلماني.

ثم تأتي المرحلة الثالثة، التي تستوجب إحالة القرار إلى «المحكمة الدستورية» للمراجعة، حيث يجب أن يشارك في المداولة عشرة قضاة على الأقل، وأن يوافق ثلثاهمأو أكثر لتأكيد العزل. غير أن هيئة «القضاة الكبار» تضم حاليًا ثمانية أعضاء فقط،وغالبيتهم محسوبون على توجهات سياسية قريبة من المعسكر الأخضر، فضلًا عنالشكوك المحيطة بإمكانية انعقاد الجلسة أصلًا، أو صدور حكم لصالح العزل حتى لوانعقدت.

ويشبّه محللون هذا الوضع بامتلاك المعارضة «سلاحًا لا يتجاوز مداه 200 متر، فيحين يقف لاي تشينغده على مسافة 600 متر»، ما يجعل معركة العزل أقرب إلىمواجهة إعلامية وسياسية تهدف إلى كشف صورة لاي تشينغده أمام الرأي العام، ورفعالحضور الشعبي لحزبي الكومينتانغ والشعب التايواني، أكثر من كونها مسارًا حقيقيًالإسقاطه.

في موازاة هذا المشهد الداخلي المضطرب، ألقت الولايات المتحدة بثقلها لدعم لايتشينغده عبر ورقة تسليح ضخمة.

ففي 17 ديسمبر، أعلنت وكالة التعاون الأمني الدفاعي التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية(DSCA) عن الموافقة على أكبر صفقة سلاح أمريكية لتايوان حتى الآن، بقيمة إجماليةتُقدّر بنحو 11.1 مليار دولار، تعتمد في معظمها على أنظمة أمريكية الصنع.

ولم يتوقف الدعم الأمريكي عند هذا الحد، إذ أقر مجلس الشيوخ الأمريكي مشروع«قانون تفويض الدفاع للسنة المالية 2026»، الذي يخصص ما يصل إلى مليار دولارلدعم ما يسمى «مبادرة التعاون الأمني مع تايوان».

ويمنح هذا القانون الجيش الأمريكي صلاحيات مواصلة تدريب القوات التايوانية علىالعمليات القتالية الفعلية، إلى جانب تشجيع الجانبين على تطوير برامج مشتركةللأنظمة غير المأهولة والأنظمة المضادة لها، مع التركيز على التطوير والإنتاجالمشتركين.

ويرى محللون أن واشنطن تتعامل مع تايوان وفق ما يُعرف بـ«استراتيجية القنفذ»، أيتحويل الجزيرة إلى كيان عسكري شديد التسليح، لكنه محدود الحركة، بحيث يسهلالتحكم به من الخلف.

ووفق هذه القراءة، فإن ما يُقدَّم لتايوان على أنه «مساعدات» أو «دعم أمني» ليسسوى طُعم يدفع حكومة الحزب الديمقراطي التقدمي إلى ضخ المزيد من الأموال فيشراء أسلحة أمريكية، كثير منها تقليدي أو متقادم.

وفي هذا السياق، قال اللواء المتقاعد في الجيش التايواني، لي تشنغجيه، إن«المعدات التي يتم شراؤها لا تتضمن أسلحة جديدة أو نوعية، فمعظمها موجودمسبقًا، وما يجري هو مجرد استمرار في الشراء»، مشيرًا إلى أنه «لم يتم حتى الآنتسلّم أسلحة أو معدات متقدمة من النوع غير المأهول».

ورغم هذا، أعلنت حكومة لاي تشينغده التزامها بزيادة كبيرة في ميزانية الدفاع، حيثأكدت المتحدثة باسم «الرئاسة» التايوانية، قوه ياهوي، أن ميزانية الدفاع ستتجاوز3% من الناتج المحلي الإجمالي وفق معايير حلف شمال الأطلسي (الناتو) في العامالمقبل، مع توقعات بارتفاعها إلى 5% قبل عام 2030.

وشددت على أن تايوان ستواصل تعزيز «قدرة المجتمع بأسره على الدفاع» وإظهارعزمها على حماية نفسها والحفاظ على السلام عبر القوة والجاهزية العملية.

غير أن هذا الاندفاع التايواني يقابله تأخير شديد في تسليم الأسلحة الأمريكية، إذ تشيرالتقديرات إلى أن قيمة صفقات السلاح التي وافقت عليها واشنطن ولم تُسلَّم بعدتجاوزت 20 مليار دولار.

وفي هذا الصدد، قال اللواء المتقاعد لي تشنغجيه إن «كل هذه الأموال صُرفت فقطلتغذية بعض تجار السلاح أو الوسطاء العسكريين».

وانعكست هذه التطورات على الرأي العام التايواني، حيث انتقدت وسائل الإعلامالمحلية بشدة الدور الأمريكي، معتبرة أن واشنطن تستغل تايوان اقتصاديًا عبر صفقاتالسلاح لتلبية مصالح مجمع الصناعات العسكرية الأمريكي، وفي الوقت نفسه تسعىلتحويل الجزيرة إلى «برميل بارود» و«مستودع ذخيرة» في مواجهة الصين.

ويرى مراقبون أن تعاون حكومة لاي تشينغده «بلا حدود» مع الاستراتيجية الأمريكيةقد يجعل تايوان في نهاية المطاف الخاسر الأكبر، بينما يتحمّل الشعب التايواني العبءالسياسي والاقتصادي والأمني لهذه السياسات، في ظل انقسام داخلي متزايد وتوترإقليمي لا يبدو أن نهايته قريبة.

قد يعجبك ايضا