إسرائيل في حلقات الرعب المزمنة

16

إسرائيل في حلقات الرعب المزمنة

عبدالرحمن شلقم

في سنة 1947 بعد قرار بريطانيا الرحيل عن فلسطين التي كانت تحت وصايتها، بدأت منظمة الأمم المتحدة تدرس مستقبلالأرض الفلسطينية. تقسيمها بين الفلسطينيين واليهود كان المشروع الذي جرىتداوله بين أعضاء المنظمة الدولية. الاتحاد السوفياتي أعلن مبكراً تأييده مشروعالتقسيم. الولايات المتحدة الأميركية شهدت انقساماً في دائرتها السياسية العليا حولمشروع التقسيم. وزير الخارجية جورج مارشال، لم يكن متحمساً للمشروع، بل عارضه. تحدث مع الرئيس الأميركي هاري ترومان، الذي تولى الرئاسة بعد وفاة الرئيسفرانكلين روزفلت، حيث كان ترومان نائباً له. قال جورج مارشال للرئيس ترومان، إناليهود غير قادرين على إقامة دولة، فهم جمع من الناس كانوا مشتتين لقرون طويلةفي عشرات البلدان، وليس هناك ما يجمعهم سوى شذرات من ذكريات تاريخيةوأساطير دينية قديمة، ولا يملكون القدرات السياسية والموارد الاقتصادية، التيتؤهلهم لتأسيس كيان قادر على الحياة وسط ملايين العرب والمسلمين والمسيحيين،الذين يعتقدون أن هذه الأرض هي مكان مقدس لهم جميعاً، وسوف يزحفون علىالكيان اليهودي الوليد. وأضاف جورج مارشال في حديثه مع الرئيس ترومان، صحيح أنلليهود قدرات عسكرية، تفوق ما لدى كل العرب، لكن المواجهة بين الطرفين ستستمرطويلاً. لم يتخذ الرئيس ترومان قراراً سريعاً، وقد كانت له آراء سلبية، بل عنيفة حيالاليهود، حتى إن البعض وصفه بأنه معادٍ للسامية. في النهاية قرر الرئيس دعم مشروعقرار الأمم المتحدة رقم 181 بتقسيم فلسطين. ما هو المبرر أو السبب الذي دفعالرئيس ترومان لتأييد مشروع القرار بعد تردده؟ كتب بعض الصحافيين أن ذلك كانلدوافع انتخابية، حيث كانت لليهود فاعلية سياسية وإعلامية كبيرة في الانتخاباتالرئاسية الأميركية. الرئيس ترومان أكَّد بعد ذلك أن دافعه لتأييد إقامة دولة يهودية كانتأثره منذ طفولته بما قرأه في العهدين القديم والجديد، عن اليهود وأرضهم التيوعدهم الله بها. في اليوم الخامس من شهر مايو (أيار) 1948 قرأ ديفيد بن غوريون، ماأسماه وثيقة الاستقلال. رفضت الدول العربية المستقلة آنذاك قرار التقسيم، وتقدمتجيوش خمس دول عربية نحو فلسطين. خسر العرب المعركة التي لم تستمر طويلاً،وجرى توقيع هدنة في رودس بين إسرائيل، ومصر، ولبنان، والأردن وسوريا بشكلمنفصل.

ديفيد بن غوريون الذي تولى رئاسة الحكومة الأولى في إسرائيل، كان يكرر في كل خطبهأن العرب والمسلمين يعدّون هذه الأرض لهم وليست لنا، وأننا قد اغتصبناها منهمبالقوة، ولن ينسوها أبداً، وعلينا أن نعد أنفسنا لحرب طويلة لن تتوقف.

اليهود في إسرائيل يسكنهم قلق وجودي مزمن، وتتحرك في داخل كل واحد منهمقشعريرة تكوينية مرعبة. كلمات كبيرهم الذي قاد معارك إقامة كيانهم، وقرأ وثيقة ماأسماه الاستقلال، ديفيد بن غوريون لا تسفيها رياح السنين. بعد 77 سنة من قيام دولةإسرائيل، لا تزال تخوض معركتها الأولى، والقضية الفلسطينية طازجة وكأنها بدأت منذأيام. قالت غولدا مائير، رئيسة وزراء إسرائيل السابقة: لا يوجد شيء اسمه فلسطين، ولاشعب اسمه الشعب الفلسطيني، لكن أربعة أخماس دول العالم، تعترف اليوم بالشعبالفلسطيني وبدولته التي لا مندوحة من إقامتها.

مغامرات رئيس الوزراء الإسرائيلي، ومعه مجموعة من المتسابقين على رفع درجاتالتطرف، هي تعبير عن جغرافية الوقت القلق، وحمولة الهواجس المرعبة، التي كدستهاجبال الجمر التاريخية في ذاكرة العقل اليهودي عبر القرون ومربعات الغيتو. إسرائيلتمتلك اليوم قدرات عسكرية ومالية وعلمية، ودعماً أميركياً عسكرياً وسياسياً لا يتوقف،لكن المتغيرات الإقليمية والدولية، تتسارع بشكل غير مسبوق. الدول الإسلاميةاندفعت في المسار السياسي بقوة. تركيا وباكستان وإندونيسيا لها حضور فاعل في حلبةالمبادرات الفاعلة للقضية الفلسطينية. القدرات العسكرية لكل الأطراف تتطور، وهيمعطيات متحركة، وقد أصبحت دول عربية وإسلامية تمتلك قدرات عسكرية هائلةومتطورة.

شهدت المنطقة كلها تغييرات درامية في خريطة التحالفات والعداوات. إيران التيكانت في الماضي حليفاً لإسرائيل صارت عدواً مبيناً لها.

اليمين الإسرائيلي المتطرف الحاكم، لا يقرّ بأن هناك قضية فلسطينية. يرفض حلالدولة الواحدة وحل الدولتين، والمستوطنون الإسرائيليون يواصلون قضم أراضيالضفة الغربية يومياً، حتى صارت الضفة كلها مثل جلد النمر.

آيديولوجيا التطرف العنيف، وقودها عواصف الرعب المزمن، الذي يتحول معملاً لإنتاجالعداء المستمر. التطرف العنيف يجعل من البشر أعداء لأنفسهم، يخرّبون بيوتهمبأيديهم. المبادرة العربية التي أجمع عليها العرب في قمة بيروت سنة 2002 ورفضتهاإسرائيل، كانت البوابة التاريخية لحل واقعي في المنطقة. العالم كله يتحرك اليومبسرعة لم يشهدها من قبل. معادلات القوة تتغير، وعي إنساني يعمّ العالم. ملايينالبشر خرجوا في أرجاء الدنيا تضامناً مع الشعب الفلسطيني، وهم يرون إبادة الشعبالفلسطيني في غزة. قادة إسرائيل تدينهم المحاكم الدولية، والأمم المتحدة التياعترفت يوماً بقيام دولة إسرائيل تؤيد اليوم إقامة دولة فلسطينية. الرعب حطبالصراع المزمن ومقبرة السلام.الشرق الأوسط

قد يعجبك ايضا