مهلاً أيها الحاقدون… إنه دين الإسلام العظيم، دين الرحمة والتسامح

16

د.محمد عقيل عوايدة

مهلاً أيها الحاقدون… إنه دين الإسلام العظيم، دين الرحمة والتسامح
لسنا مضطرين للدفاع عن الإسلام؛ فالإسلام لا تهزّ عظمته جرائم المجرمين، ولا تُختزل رسالته في أفعال جماعة متطرفة ضلّت الطريق. لكننا لن نقبل أن تُستغل دماء الأبرياء لتشويه دينٍ يدعو إلى الرحمة والعدل، أو أن تتحول جريمة ارتكبتها جماعة إرهابية إلى اتهام لملياري مسلم، أو إلى ذريعة للمطالبة بإغلاق دور تحفيظ القرآن وتغيير المناهج دون دليل أو دراسة موضوعية.
مهلاً أيها الحاقدون، ومهلاً أيها الذين يسارعون إلى اتهام الإسلام كلما ارتكب متطرف جريمة باسمه! إن الإسلام ليس جماعة إرهابية، وليس رصاصة تنطلق إلى صدر بريء، ولا قنبلة تفجّر مكاناً للعبادة، ولا خطاباً يحرّض على الكراهية. الإسلام، في أصوله وتعاليمه، رسالة إيمان وعبادة ومسؤولية أخلاقية، ودعوة إلى الرحمة والعدل والإحسان.
إن الجريمة التي أودت بحياة تسعة مسيحيين وأصابت 34 آخرين في كنيسة حمود بالكرك، جريمة إرهابية مدانة بكل المقاييس الدينية والإنسانية والقانونية. ومرتكبوها لا يمثلون الإسلام، بل يسيئون إليه وإلى الإنسانية، وينتهكون مبادئه التي تحرّم الظلم والعدوان.
فالإرهاب لا دين له ولا جنسية ولا مبرر؛ وإنما يُعرف بجريمته، لا بالشعار الذي يرفعه، وبالدماء التي يسفكها، لا بالمعتقد الذي يزعم الدفاع عنه.
الإسلام دين الرحمة، لا دين القتل والكراهية
يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107)، ويقول سبحانه: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: 32)، ويقول تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة: 8)، ويقول أيضاً: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة: 256).
فأين في هذه الآيات دعوة إلى قتل المسيحيين أو كراهية الآخرين؟ وأين فيها ما يبرر الاعتداء على دور العبادة؟ بل إن القرآن الكريم يكرّم المسيح عيسى ابن مريم وأمه مريم عليهما السلام، ويقول سبحانه: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ﴾ (المائدة: 82).
إن من يقتل الأبرياء باسم الإسلام لم يفهم الإسلام ولا فقهه، ولم يدرك أن اختلاف الدين لا يبيح سفك الدماء، وأن التكفير ليس تفويضاً بالقتل، وأن رفع الشعارات الدينية لا يمنح أحداً حق الاعتداء على أرواح الناس. وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من الاعتداء على غير المسلمين ممن لهم عهد وأمان، فقال: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ» (رواه البخاري).
فالإسلام لا يُنصر بقتل الأبرياء، ولا تُصان العقيدة بإرهاب الآمنين، ولا يكون الانتساب إلى الدين صكّاً لتبرير الجرائم. ومن يتخذ الدين ستاراً لسفك الدماء، إنما يطعن الدين من حيث يزعم الدفاع عنه.
ازدواجية المعايير… من يحاسب الإرهاب حين يرتكب جرائمه؟
إذا كان الإرهاب جريمة مدانة حين يكون ضحاياه مسيحيين فلماذا يصبح بعض الضحايا أقل حضوراً في ضمائر المتباكين حين يكونون مسلمين في غزة أو في مساجد العالم؟
أين هذه الأصوات من الكارثة الإنسانية في غزة، حيث قتلت الحرب الإسرائيلية عشرات الآلاف من الفلسطينيين، ودُمّرت الأحياء والمنازل والمستشفيات والمدارس، وشُرّد السكان، وفق ما وثقته الجهات الأممية والإنسانية؟ وأين هي من سياسات حكومة بنيامين نتنياهو وحلفائه، التي تستوجب المساءلة عن الانتهاكات والجرائم التي يُشتبه في ارتكابها، وفق القانون الدولي؟
إن استخدام الخطاب الديني لتبرير العنف، أو منح غطاء سياسي له، لا يجعل الجريمة أقل بشاعة، أياً كان مرتكبها أو دينه. ولا يجوز أن تُدان دماء هنا، بينما تُهمَل دماء هناك، أو أن تُستثار المشاعر تجاه ضحايا دون غيرهم تبعاً للهوية أو المصالح السياسية.
ومن حقنا أن نتساءل: من المستفيد من زعزعة الاستقرار وإشعال الفتن بين المسلمين والمسيحيين؟ ومن المستفيد من تمزيق المجتمعات العربية وتشتيت أولوياتها وإضعاف تماسكها؟ إن الانقسامات الداخلية تخدم كل من يريد إضعاف هذه المجتمعات، وتمنح أصحاب المشاريع العدائية فرصاً أوسع لتحقيق أهدافهم. لكن اتهام أي طرف بالتخطيط لجريمة بعينها يحتاج إلى أدلة موثوقة، لا إلى مجرد افتراضات أو استنتاجات سياسية.
إن أخطر ما يمكن أن تخلّفه الجريمة ليس عدد ضحاياها وحده، بل أن تنجح في تحويل دماء الأبرياء إلى نار تحرق علاقة أبناء الوطن الواحد.
وليس الإرهاب حكراً على جماعة أو دين؛ فقد شهد العالم هجمات إرهابية استهدفت مسلمين أثناء الصلاة في المساجد، ومنها الهجوم على مسجدين في كرايستشيرش بنيوزيلندا عام 2019، الذي نفذه إرهابي يميني متطرف، وأسفر عن مقتل 51 مسلماً.
فهل يجوز أن نحمّل المسيحية أو الغرب كله مسؤولية تلك الجريمة؟ بالطبع لا. فلماذا يُقبل تعميم الاتهام على الإسلام والمسلمين؟ ولماذا يُحاكم دين كامل بأفعال مجرمين، بينما يُرفض هذا المنطق حين يكون مرتكب الجريمة منتمياً إلى دين أو مجتمع آخر؟
العدل لا يتجزأ، وحرمة الدماء لا تتبدل بتبدل هوية الضحية، والإرهاب لا يصبح أقل إرهاباً لأن مرتكبه يرفع شعاراً سياسياً أو دينياً يحظى بالتأييد.
الكرك… إخوة الأرض والتاريخ والمصير
أما الكرك، فإن مسيحييها ومسلميها أبناء أرض واحدة وتاريخ مشترك، تجمعهم المواطنة والجوار والروابط الاجتماعية. ولن تسمح حكمة الأردنيين بأن تتحول جريمة إرهابية إلى فتنة تمزق نسيجهم الوطني.
إن الاعتداء على المسيحيين اعتداء على الأردن كله، واستهداف دور عبادتهم اعتداء على حقهم في الأمن والعبادة والكرامة. فمسيحيو الكرك ليسوا غرباء عن وطنهم، ومسلموها ليسوا أصحاب وطن منفصل عنهم؛ إنهم شركاء في الأرض والتاريخ والمصير، تجمعهم روابط أعمق من أن تمزقها رصاصة غدر أو خطاب كراهية.
الكرك التي جمعت أبناءها عبر التاريخ لن يفرّقها إرهابي، والأردن الذي يستمد قوته من وحدة أبنائه لن تسمح له حفنة من المتطرفين بأن تسقطه في فخ الفتنة الطائفية.
الحل ليس في محاربة القرآن، بل في محاربة التطرف
إن الحل ليس في إغلاق دور تحفيظ القرآن الكريم أو التضييق على المساجد، بل في مواجهة الفكر المتطرف، ومحاسبة المحرّضين والمجرمين، وتعزيز التعليم الديني الصحيح، وترسيخ المواطنة وسيادة القانون.
فالتعميم ظلم، والعقاب الجماعي ليس عدالة، ومحاربة الدين ليست علاجاً للتطرف. وإذا ثبت أن مؤسسة أو جهة ما تحرّض على الكراهية والعنف، فإن مساءلتها واجبة وفق القانون والأدلة؛ أما تحميل المساجد ودور تحفيظ القرآن المسؤولية الجماعية عن جرائم الإرهابيين، فليس إلا خلطاً بين الدين الصحيح وانحراف من يستغله.
نقولها بوضوح: حاربوا الفكر الذي يبيح الدماء، لا كل من يتعلم القرآن؛ وواجهوا المحرّضين بالأدلة والقانون، لا بالاتهامات المرسلة؛ وصححوا المفاهيم المنحرفة، ولا تجعلوا الدين كله متهماً بسبب جهل المتطرفين.
إننا لا ندافع عن الإسلام لأن الإسلام عاجز عن الدفاع عن نفسه، بل نرفض الظلم لأننا نؤمن بالعدل، ونرفض قتل الأبرياء لأننا نؤمن بحرمة النفس، ونرفض الطائفية لأننا نؤمن بأن الوطن يتسع لأبنائه جميعاً. ونرفض أن يُختطف الدين على أيدي المتطرفين، أو أن يُشوَّه على أيدي الحاقدين.
كلمة أخيرة… لا تسمحوا للإرهاب بسرقة إنسانيتكم
فيا أبناء الكرك، مسلمين ومسيحيين، ويا أبناء الأردن جميعاً: لا تسمحوا للرصاصة أن تهدم ما بناه التاريخ، ولا للجريمة أن تزرع الكراهية بين الجيران، ولا للمتطرف أن يسرق منكم إنسانيتكم، ولا للحاقد أن يحوّل دماء الضحايا إلى وقود للفتنة.
إن الإسلام دين الرحمة والتسامح، وإن المسيحيين والمسلمين شركاء في الوطن والكرامة الإنسانية، وإن الإرهاب جريمة لا دين، وإن العدالة لا تعرف طائفة، وإن الأردن سيبقى أقوى بوحدة أبنائه، وأسمى من دعاة الفتنة، وأقدر على حماية تنوعه وتماسكه.
ولا يمكن إغفال أن زعزعة استقرار الأردن، وإثارة الفتنة بين أبنائه، وضرب وحدته الوطنية، تصبّ في مصلحة كل من يسعى إلى إضعاف الدولة الأردنية وتفكيك جبهتها الداخلية، وفي مقدمة ذلك المشروع الصهيوني الذي لا تخفى مخاطره وأطماعه في المنطقة. ومن هنا، فإن إثارة الشكوك حول الجهات التي قد تستفيد من جرائم كهذه أمر مشروع.
إن واجبنا الوطني يقتضي اليقظة تجاه كل محاولة لاستغلال الدماء البريئة لزرع الكراهية بين المسلمين والمسيحيين، أو لإشغال الأردن بصراعات داخلية تصرفه عن حماية أمنه وسيادته ومصالحه الوطني.
فأمن الأردن ووحدته الوطنية خط أحمر، ولن نسمح للإرهاب، أياً كان مصدره، بأن يتحول إلى أداة لتمزيق نسيجنا الوطني أو إضعاف دولتنا.
مهلاً أيها الحاقدون: لا تجعلوا جرائم المتطرفين حكماً على دين كامل، ولا تجعلوا مآسي الشعوب انتقائية تخضع للأهواء السياسية. أدينوا الإرهاب أياً كان مرتكبه، وارفضوا قتل الأبرياء أياً كانت هويتهم، وحاسبوا كل مسؤول عن الجرائم وفق الأدلة والقانون.
فالإسلام دين الرحمة، والمسيحيون والمسلمون شركاء في الوطن والكرامة الإنسانية، والإرهاب جريمة لا يطهّرها شعار ديني ولا تبرير سياسي. وسيبقى الأردن أقوى بوحدة أبنائه، وأسمى من دعاة الفتنة والكراهية.
رحم الله الضحايا، وشفى المصابين، وألهم أسرهم الصبر والسلوان، وحمى الأردن وأهله من كل سوء.
والله من وراء القصد

قد يعجبك ايضا