هل المعارضة ممثلة بـ «حزب الأمة» ضد الوطن؟

58

الدكتور محمد بن عقيل العوايدة
من أكثر الأسئلة التي تكشف حاجة الحياة السياسية إلى مزيد من الوعي:
هل من يعارض الحكومة يعارض الوطن؟
الإجابة واضحة: لا.
فالوطن ليس حكومةً تتغير، ولا مجلسًا يتبدل، ولا برنامجًا سياسيًا واحدًا لا يجوز نقده. الوطن هو الدولة ومؤسساتها وشعبها ودستورها ومصالحها ومستقبل أجيالها.
ومن هنا، فإن حزب الأمة عندما يمارس دوره كحزب معارض لا يقف ضد الوطن، وإنما يمارس حقًا سياسيًا في النقد والمساءلة وطرح البدائل، ما دام ملتزمًا بالدستور والقانون.
فالاختلاف مع قرار حكومي ليس اختلافًا مع الأردن، وانتقاد سياسة عامة ليس إساءة إلى الدولة، والمطالبة بالإصلاح ليست خروجًا على النظام العام.
المعارضة المسؤولة لا تكتفي بالنقد
ومن باب المسؤولية الوطنية والاستعداد لتحمل المسؤولية العامة، لم يتعامل حزب الأمة مع المعارضة باعتبارها مجرد موقف من الحكومة، بل سعى إلى بناء بدائل وسياسات وبرامج قابلة للنقاش والتنفيذ.
ففي عام 2014، أعد الحزب إستراتيجية للنهوض الاقتصادي في الأردن، انطلاقًا من الحاجة إلى معالجة التحديات الاقتصادية من خلال رؤية تقوم على التشخيص والتحليل ووضع السياسات والبرامج اللازمة للنهوض بالاقتصاد الوطني.
ثم انتقل الحزب إلى إطار أكثر شمولًا، من خلال إعداد «رؤية الأردن 2030»، التي استمر العمل عليها نحو 30 شهرًا، وشارك في إعدادها عدد كبير من الخبراء والمتخصصين، وتناولت مختلف القطاعات والقضايا الوطنية، الاقتصادية والاجتماعية والإدارية والتنموية وغيرها، بهدف بناء تصور متكامل لمسار الأردن خلال السنوات القادمة.
ولذلك، فإن هذه الرؤية لم تكن مجرد وثيقة فكرية أو شعار سياسي، بل جرى إعدادها باعتبارها إطارًا استراتيجيًا شاملًا يمكن أن يشكل أساسًا لبرنامج وطني متكامل في حال تحمل الحزب مسؤولية إدارة الشأن العام.
والأهم أن الحزب لم يحتفظ بهذه الرؤية داخل أطره التنظيمية، بل تم تسليم نسخ منها إلى الحكومة وإلى الديوان الملكي؛ انطلاقًا من قناعة بأن المعرفة والخبرة الوطنية ملك للأردن، وأن أي جهد وطني يمكن أن يسهم في معالجة التحديات ينبغي أن يكون متاحًا للاستفادة منه، بصرف النظر عن الجهة التي أعدته.
وهذه الممارسة تعكس مفهومًا مهمًا في العمل الحزبي الحديث:
المعارضة لا تعني رفض كل ما تقوم به الدولة، كما أن الاستعداد للحكم لا يبدأ يوم الوصول إلى السلطة، وإنما يبدأ من اليوم الذي يمتلك فيه الحزب رؤية واضحة للمشكلات، وبرامج قابلة للتنفيذ، وبدائل للسياسات القائمة
المعارضة ليست «لا» دائمة
المعارضة الحقيقية لا تكتفي بقول «لا»، بل تستطيع أن تقول: «هذا هو البديل».
ولا تُثبت وطنيتها بكثرة الشعارات، وإنما بقدرتها على تقديم برامج قابلة للتنفيذ، والدفاع عن المصلحة العامة، واحترام الدستور، والرقابة على السلطة، والاستعداد لتحمل المسؤولية عندما تأتي لحظة الاختيار الشعبي.
لذلك، فإن السؤال الصحيح ليس:
«هل حزب الأمة مع الحكومة أم ضدها؟»
بل:
ما الذي يقوله الحزب؟
ما الذي يعترض عليه؟
ما البديل الذي يقدمه؟
وما الذي أعدّه من برامج وسياسات؟
وكيف سيدير الدولة إذا أصبحت المسؤولية عليه؟
فالدولة القوية لا تخشى المعارضة الوطنية، والمعارضة الوطنية لا تعمل على إضعاف الدولة.
الاختلاف السياسي ليس خيانة، والنقد ليس عداءً، والمعارضة ليست ضد الوطن.
المعيار الحقيقي هو:
هل نختلف من أجل الأردن، أم نختلف على الأردن؟
وهنا تُختبر الأحزاب، وتُختبر المعارضة، وتُختبر قدرتها على الانتقال من معارضة السلطة إلى الاستعداد لتحمل مسؤولية الدولة.
وحزب الأمة، من خلال ما أعده من استراتيجيات ورؤى وبرامج، يقول بوضوح إن المعارضة ليست غاية بذاتها، وإنما مرحلة من مراحل العمل السياسي استعدادًا لتحمل المسؤولية العامة وتقديم البديل الوطني.
فالوطن لا يحتاج إلى معارضة ضد الدولة، ولا إلى موالاة بلا مساءلة؛ بل يحتاج إلى أحزاب تمتلك الرؤية، وتقدم البدائل، وتحترم المؤسسات، وتستعد لتحمل المسؤولية عندما يمنحها الشعب ثقته .

قد يعجبك ايضا