آن الأوان لعقل الدولة أن يترجم صرخة الملك على الأرض
الدكتور محمد بن عقيل العوايدة
لم يكن خطاب الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد توصيف لما تقوم به إسرائيل في غزة والضفة الغربية وسوريا؛ بل كان إنذاراً استراتيجياً بأن ما يجري لم يعد شأناً فلسطينياً أو إقليمياً فحسب، وإنما بات يمس الأمن الوطني الأردني ومصالحه وحدوده ومياهه ومستقبله.
وقد آن الأوان أن ينتقل عقل الدولة الأردنية من توصيف الخطر إلى إدارة الخطر، ومن الموقف السياسي إلى خطة عمل وطنية.
من الجريمة الإسرائيلية إلى الاستجابة الأردنية
أولاً :- التهجير القسري للفلسطينيين
إذا كان التهجير القسري، كما وصفه الملك، جريمة حرب، فإن مواجهته لا تكون بالتصريحات وحدها
المطلوب
خطة وطنية استباقية دبلوماسية وأمنية وإنسانية واقتصادية، تمنع تحويل الأردن إلى ساحة لنتائج سياسة التهجير، وتؤكد بوضوح أن الأردن ليس وطناً بديلاً.
ثانياً :- الاستيطان ومصادرة الأراضي والضم الفعلي
إسرائيل تغيّر الخريطة على الأرض خطوة بعد خطوة.
المطلوب
منظومة أردنية دائمة للرصد والتوثيق والتحليل، وتحويل المعلومات إلى ملفات قانونية ودبلوماسية قابلة للاستخدام الدولي، بالتنسيق مع الأشقاء والشركاء.
ثالثاً:- عنف المستوطنين وتهجير الفلسطينيين
القتل والحرق والترهيب والاستيلاء على الممتلكات لا ينبغي أن تتحول إلى وقائع اعتيادية.
المطلوب
توثيق مؤسسي مستمر للانتهاكات، وحشد موقف دولي يحمّل المسؤولية للجهات والأفراد المتورطين وفق الأطر القانونية المتاحة.
رابعاً :- تدمير غزة واستهداف المنشآت المدنية والمستشفيات
لا يجوز أن تتحول المأساة الإنسانية إلى خبر يومي يفقد أثره.
المطلوب
استمرار الدور الأردني الإغاثي والطبي، وحماية المستشفيات الميدانية الأردنية، وتوثيق أي اعتداء عليها ورفعه إلى الجهات الدولية المختصة.
خامساً:- التوسع الإسرائيلي في جنوب سوريا
أكد الملك أن أي تهديد للحدود الشمالية أو للأمن المائي هو تهديد للأمن القومي الأردني.
المطلوب
رفع الجاهزية الحدودية، وتعزيز منظومة الإنذار المبكر، ومتابعة التطورات الجغرافية والأمنية والمائية، ووضع سيناريوهات استجابة واضحة ومحدثة.
سادساً:- تهديد الأمن المائي
المياه لم تعد ملفاً خدمياً؛ إنها جزء من الأمن القومي.
المطلوب
تسريع مشاريع التحلية والنقل والتخزين، خفض الفاقد، تنويع المصادر، وبناء احتياطيات مائية استراتيجية للطوارئ.
سابعاً:-إضعاف القانون الدولي والإفلات من المساءلة
حين تصبح القرارات الدولية حبراً على ورق، يصبح الإفلات من العقاب عاملاً محفزاً لمزيد من الانتهاكات
المطلوب
دبلوماسية قانونية أكثر فاعلية، وبناء تحالفات دولية، وتحويل التوثيق إلى مذكرات وملفات ومبادرات ضغط مستمرة، لا إلى بيانات موسمية.
والأهم: توحيد الجبهة الداخلية
في مواجهة تهديدات بهذا الحجم، لا يجوز أن تكون الجبهة الداخلية هي الحلقة الأضعف
المطلوب من الدولة أن تعمل على بناء جبهة وطنية متماسكة تجمع مؤسسات الدولة والأحزاب والنقابات والجامعات والإعلام ومؤسسات المجتمع المدني والمواطنين حول الثوابت الوطنية.
سيادة الأردن، أمنه، حدوده، مياهه، وحدته الوطنية، ورفض التهجير والوطن البديل
وتوحيد الجبهة الداخلية لا يعني إلغاء الاختلاف السياسي، ولا يعني إسكات النقد أو إضعاف التعددية؛ بل يعني أن تكون الخلافات داخل البيت الوطني، بينما يبقى أمن الأردن ومصالحه العليا فوق الخلافات.
وفي الأزمات الكبرى، تحتاج الدولة إلى ثقة المواطن بقدر حاجتها إلى قوة مؤسساتها؛ والثقة تُبنى بالشفافية، والمعلومة الدقيقة، والعدالة، وتكافؤ الفرص، والاستماع إلى المجتمع، وإشراك القوى الوطنية في فهم المخاطر وصياغة الاستجابات.
الرسالة الأخيرة إلى الحكومة
يا دولة الرئيس،
لقد قال الملك للعالم ما يحدث، وسمّى المخاطر بأسمائها، وحذّر من تداعياتها على الأردن والمنطقة.
والآن، المطلوب من عقل الدولة أن يترجم ذلك إلى
معلومة دقيقة، وخطة وطنية، وإنذار مبكر، وجاهزية مؤسسية، وأمن مائي، واقتصاد قادر على الصمود، ودبلوماسية فاعلة، وجبهة داخلية موحدة.
دولة العدو اليهودي تغيّر الوقائع على الأرض بخطوات متراكمة وطويلة المدى؛ فلا يجوز أن تواجهها الدولة بردود فعل قصيرة المدى.
لقد أطلق الملك صرخته في الأمم المتحدة…
والآن آن الأوان أن يسمعها عقل الدولة في عمّان، وأن تتحول من خطاب إلى استراتيجية، ومن استراتيجية إلى فعل.
فالأمن القومي لا يُدار بالبيانات، والوحدة الوطنية لا تُترك للظروف، والتهديدات الكبرى لا تُواجه بعد وقوعها؛ بل تُواجه بالاستباق والإستعداد والجاهزية وتماسك الدولة والمجتمع.