القمح والسيادة: هندسة الصمود الوطني

11

وليد الهباهبة

​في عالم تتسع فيه دائرة الأزمات وتتقاطع فيه الحروب، لم يعد الأمن الغذائي مجرد ملف زراعي أو اقتصادي، بل أصبح ركناً من أركان الأمن القومي وجزءاً لا يتجزأ من مفهوم السيادة الوطنية. فالقمح، الذي يبدو في ظاهره محصولاً استهلاكياً، يتحول في أوقات الاضطرابات الجيوسياسية إلى عنصر قوة ونفوذ، عندما تتعطل سلاسل الإمداد، وترتفع الأسعار، وتتراجع قدرة الدول على الوصول المنتظم إلى الأسواق العالمية.

 

​وتزداد حساسية هذه المعادلة في الأردن، بحكم محدودية موارده المائية واعتماده الكبير على استيراد الحبوب. لذلك، لم تعد قضية القمح مجرد تأمين حاجة السوق اليومية، وإنما أصبحت جزءاً من منظومة أوسع لإدارة المخاطر، تقوم على بناء المخزون الاستراتيجي، وتنويع مصادر الاستيراد، وتوسيع القدرات التخزينية، إلى جانب تعزيز الإنتاج المحلي والبحث العلمي الزراعي.

​لكن الأمن الغذائي لا يبدأ من الصوامع وحدها، بل من البذرة؛ فامتلاك المادة الوراثية والقدرة على تطوير أصناف تتلاءم مع البيئة المحلية يمنح الأردن هامشاً إضافياً من الاستقلال والحياد الاستراتيجي، خصوصاً في بلد يواجه شحاً مائياً وتحديات مناخية متزايدة. ومن هنا تبرز أهمية الأبحاث الزراعية، وإكثار البذور، وتطوير سلالات أكثر قدرة على التكيف مع الظروف البيئية الأردنية.

​وهذه ليست معركة أردنية منفردة؛ فقد شهد العالم خلال القرن العشرين تحولاً عميقاً في إنتاج القمح مع “الثورة الخضراء”، وكان للصنف الياباني “Norin 10” دور محوري في تطوير أصناف القمح “شبه القزم”، التي استفادت من تقنيات الأسمدة والري، وأسهمت في رفع الإنتاجية الزراعية على نطاق عالمي. ومنذ ذلك التحول التاريخي، لم تعد قوة القمح مرتبطة بمساحة الأرض وحدها، وإنما أصبحت مرهونة بالعلم، والتكنولوجيا، وحفظ البذور، وإدارة الموارد.

​من هنا تتضح طبيعة القوة في معادلة القمح الحديثة: إنها لا تكمن في امتلاك البذرة مجردة، بل في امتلاك منظومة الغذاء كاملة؛ من البحث العلمي وبنوك الجينات، إلى المياه والأسمدة، ومن الحقول والصوامع، إلى النقل، والتمويل، والأسواق.

​وقد كشفت الأزمات العالمية الأخيرة هشاشة هذه المنظومة عندما تتعرض للصدمات المتلاحقة؛ فجائحة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، واضطرابات الملاحة في البحر الأحمر، أظهرت أن تعطل أي جزء من سلاسل الإمداد يمكن أن ينتقل سريعاً من أزمة نقل أو ارتفاع أسعار، إلى تحدٍ مباشر للاستقرار الداخلي. ولهذا، لم يعد السؤال الحقيقي بالنسبة للدول المستوردة هو مقدار ما تنتجه فقط، وإنما قدرتها المؤسسية على الصمود وإعادة التموضع عندما تتعطل طرق التجارة.

​ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن فهم “السيادة الغذائية” في الحالة الأردنية؛ فهي لا تعني بالضرورة أن ينتج الأردن كل ما يستهلكه – وهو هدف تصطدم به محدودية الموارد المائية – وإنما تعني امتلاك القدرة الاستباقية على تأمين الغذاء في الظروف العادية والاستثنائية معاً.

​وتقوم هذه القدرة على عناصر استراتيجية مترابطة: مخزون استراتيجي آمن ومستدام، وقدرات تخزينية كافية وموزعة جغرافياً، وتنويع شبكي لمصادر الاستيراد، وإنتاج محلي بلدي قابل للتوسع العاجل، وحماية الموارد الوراثية وتطوير البذور، إلى جانب نظام إنذار مبكر يراقب الأسواق العالمية وحركة الإمدادات، ويساعد على اتخاذ القرار السيادي قبل تفاقم الأزمة.

​وبذلك، فإن السيادة الغذائية لا تبدأ عند اندلاع الأزمة، ولا عند وصول شحنة القمح إلى الميناء، وإنما تبدأ قبل ذلك بسنوات في المختبر، وبنك البذور، والحقل، والصومعة، وشبكات النقل، وسياسات الاستيراد، ونظم المعلومات الجيوسياسية.

​قد لا نملك منع العواصف العالمية، لكننا نملك بناء مصدات صلبة تحول دون تحولها إلى أزمة خبز. وهنا تكمن قيمة القمح في معادلة السيادة: ليست قوته في كونه “سلاحاً” بالمعنى العسكري المباشر، وإنما في أن القدرة على تأمينه تمنح الدولة مساحة أوسع لحماية استقرارها واستقلال قرارها عندما تضطرب الأسواق وتتغير خرائط التجارة.

​فالنفط يمنح الاقتصاد قدرة على الحركة، أما الغذاء فيمنح المجتمع قدرة على الصمود. وفي زمن تتسارع فيه الأزمات المناخية والاقتصادية والجيوسياسية.الرأي

قد يعجبك ايضا