إلى اين يذهب التعليم ..(التوجيهي)

28

د. عبدالسلام الشناق

سبق أن قلتَ إنه تخبّط،”ومثل عروض المولات”. واليوم، وبعد ما شاهدناه من قرارات متلاحقة، يحق لنا أن نسأل بكل وضوح: إلى أين يذهب التعليم، وخاصة التعليم الثانوي (التوجيهي)؟
كيف يُسمح لطالب بالالتحاق بتخصصات الهندسة، «سواء الهندسة الطبية أو الهندسة الكيميائية وغيرها»، دون أن يكون قد درس الرياضيات والفيزياء؟ وهل يكفي أن تكون في التخصص كلمة «طبي» حتى نتجاوز الأساسيات العلمية التي تقوم عليها الهندسة؟ وأين ذهبت الهندسة والرياضيات والفيزياء؟
وللعلم، فإن معظم مواد السنة الأولى في كليات الهندسة تقوم على المواد الهندسية والرياضيات والفيزياء والعلوم الأساسية وما يرتبط بها وما شابهها. فكيف سينتقل الطالب إلى الجامعة دون هذه الأساسيات؟ وهل ستتحمل الجامعات تبعات معالجة فجوة كان يفترض أن يعالجها التعليم المدرسي وخاصة التعليم الثانوي مثل الاضطرار إلى دراسة مواد استدراكية لتعويض النقص في مادتي الرياضيات والفيزياء في المرحلة الثانوية، وما يترتب على ذلك من أعباءٍ دراسية ومالية إضافية يتحملها الطالب وأسرته وهنا الطالب حتماً سيخفق في بعض المواد التي تتعلق بالرياضيات والفيزياء وما شابهها؟ وهل من المنطقي أن يتحمل الطالب وولي أمره تكلفة هذا النقص في الخطة الدراسية، بينما كان من الممكن معالجة المشكلة قبل وصول الطالب إلى الجامعة؟ وهنا تبرز مشكلة قادمة بالمستقبل وهو أن هذه التخصصات بعد ( 5 ) سنوات ستصبح مشبعة وراكدة فأي تخطيط هذا
والسؤال الأهم: ما المطلوب من طلبتنا أصحاب المعدلات المرتفعة الذين لم يُقبلوا في التخصصات الطبية؟ وهل نتركهم للشارع ؟ أم ندفعهم دفعاً إلى الجامعات الخاصة؟ أم نجبرهم على الدراسة خارج الوطن، ثم يُطلب منهم الالتحاق بمواد إضافية لتعويض ما فاتهم من أساسيات، كما حدث قبل فترة من قبل الشقيقة مصر؟
لقد كانت شهادة الثانوية العامة الأردنية “التوجيهي”، طيلة العقود الماضية، عنوانًا للجدية والانضباط، وذات سمعة قوية، وكانت الجامعات تنظر إليها باعتبارها شهادة لها وزنها العلمي. أما اليوم، فإن كثرة التعديلات والقرارات المتلاحقة تضع الطالب والأسرة والمدرسة والجامعة أمام حالة من عدم الاستقرار.
أيُّ منظومة تعليمية هذه التي يصدر فيها قرار، ثم لا يلبث أن يأتي قرار آخر لتصحيح القرار الذي سبقه؟
أين الدراسات العلمية التي سبقت هذه القرارات؟
أين بيوت الخبرة داخل الوزارة وخارجها؟
أين الأكاديميون وأساتذة الجامعات؟
أين الخبراء التربويون؟
وأين دراسة تجارب الدول التي سبقتنا في إصلاح أنظمتها التعليمية؟
إصلاح التعليم لا يكون بالقرارات المتعجلة، ولا بتجريب السياسات على أبنائنا الطلبة. التعليم مشروع وطن ومستقبل أجيال، وأي تغيير فيه يجب أن يُبنى على دراسة علمية عميقة، وحوار واسع مع أهل الاختصاص، وخطة واضحة، وفترة زمنية كافية للتقييم قبل الانتقال إلى خطوة جديدة.
لقد آن الأوان أن نتوقف قليلًا، ونراجع ما يجري بعقل تربوي هادئ، بعيدًا عن ردود الفعل والقرارات المتسارعة.
أقولها بكل صراحة: كفى تخبّطًا.

قد يعجبك ايضا