الأردن يحذر من الخريطة التي لم ترسم بعد

8

ا.د. هاني الضمور

أخطر ما كشفه خطاب الملك عبدالله الثاني في الأمم المتحدة ليس الخوف من حرب جديدة، بل من شرق أوسط تتغير حقائقه بينما تبقى حدوده على الورق كما هي.

في نيويورك، تحدث الملك عبدالله الثاني عن فلسطين، لكن الخريطة التي حضرت في خطابه كانت أكبر من فلسطين.

الضفة الغربية، غزة، جنوب سوريا، المياه، الحدود، التهجير والاستيطان؛ ملفات تبدو منفصلة من بعيد، لكنها من عمّان تلتقي عند سؤال واحد: ماذا يحدث للأردن إذا تغيرت الجغرافيا السياسية من حوله دون أن يتغير خط واحد على حدوده؟

والتغيير لم يعد افتراضاً للمستقبل. فمنذ بداية العام، نزح أكثر من 4,300 فلسطيني في الضفة الغربية بسبب الهدم والإخلاء وهجمات المستوطنين والقيود المرتبطة بها، وسُجلت أكثر من 1,600 واقعة اعتداء أوقعت إصابات أو أضراراً بالممتلكات وطالت 275 تجمعاً فلسطينياً حتى منتصف أيلول.

هذه ليست أرقام حرب تقليدية بقدر ما هي مؤشرات على واقع يتغير بالتدريج.

وهنا تكمن أهمية الخطاب: ماذا لو أصبحت التحولات التي نصفها اليوم بأنها مؤقتة هي الخريطة الدائمة للغد؟

حين لا تنتظر الجغرافيا الدبلوماسية

على مدى عقود، أُدير الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بمنطق متكرر: حرب ثم هدنة، استيطان ثم إدانة، أزمة إنسانية ثم مساعدات، ثم انتظار فرصة جديدة للمفاوضات.

لكن هذا المنطق يقوم على افتراض غير معلن: أن الحل يمكن تأجيله لأن الأرض اللازمة له ستبقى موجودة.

ماذا لو لم تنتظر الجغرافيا؟

ماذا لو بقي حل الدولتين حياً في بيانات الأمم المتحدة، بينما أصبحت الأرض اللازمة لتنفيذه أكثر تفتتاً؟

بالنسبة إلى الأردن، ليست هذه مناظرة دبلوماسية. فالضفة تقع على الجانب الآخر من النهر، وأي تحول ديمغرافي واسع أو انهيار لاحتمال الدولة الفلسطينية يحمل تداعيات تتجاوز حدودها.

ولهذا يصبح رفض التهجير، إلى جانب أبعاده الإنسانية والقانونية، مسألة ترتبط أيضاً بالمصلحة الوطنية الأردنية.

إذا اختفت الدولة الممكنة؟!

وراء ذلك سؤال أكثر حساسية: إذا أصبحت الدولة الفلسطينية غير قابلة للحياة، فما البديل؟

العواصم البعيدة تستطيع تأجيل الإجابة، الأردن لا يستطيع.

قيام دولة فلسطينية يعني مستقبلاً سياسياً للفلسطينيين على أرضهم. أما انهيار هذا الاحتمال فيفتح أسئلة ديمغرافية وسياسية وأمنية تمس المملكة نفسها.

بهذا المعنى، يصبح التهجير احتمالاً لنقل نتائج فشل التسوية من داخل فلسطين إلى خارجها.

الخطر في التزامن

لكن خطاب الملك لم يتوقف عند فلسطين، انتقل إلى جنوب سوريا والمياه والحدود الشمالية وربطها بالأمن الوطني الأردني.

إلى الغرب، مستقبل الدولة الفلسطينية، إلى الشمال، أمن الجنوب السوري. وفي الداخل، دولة محدودة المياه والموارد تتأثر بالاضطرابات المحيطة بها.

الخطر ليس في ملف واحد؛ الخطر في تزامنها.

فالدول لا تحتاج دائماً إلى حرب كي تتغير بيئتها الاستراتيجية. قد يكفي تراكم تحولات صغيرة حتى تجد نفسها في منطقة مختلفة عن تلك التي بنت سياستها من أجلها.

ما قد لا تراه واشنطن

تسعى الولايات المتحدة إلى نظام إقليمي يعتمد على الردع والتحالفات والتعاون الاقتصادي والعلاقات العربية الإسرائيلية، لكن القراءة من عمّان تطرح سؤالاً آخر: هل يمكن بناء شرق أوسط جديد بينما تتآكل الجغرافيا التي يفترض أن تحمل التسوية الفلسطينية؟

يمكن بناء التحالفات والممرات الاقتصادية، لكن أياً منها لا يجيب وحده عن سؤال الأرض.

إذا بقيت الدولة الفلسطينية حاضرة في اللغة الدبلوماسية بينما تراجعت كإمكانية جغرافية، فنحن لا نحافظ على الوضع القائم؛ نحن ننتقل إلى وضع آخر.

الخريطة التي لم تُرسم بعد

لم يعلن الملك عقيدة أمنية جديدة، لكن جمع فلسطين والتهجير وسوريا والمياه والحدود في المشهد نفسه يكشف حقيقة أوسع: حدود الأمن الوطني لا تنتهي دائماً عند الحدود السياسية.

الأردن لا يريد أرض الآخرين ولا يسعى إلى رسم حدودهم. ما يريد منعه هو أن تؤدي التغييرات على أرض الآخرين إلى إعادة رسم مستقبله.

ولهذا ربما لم يكن التحذير الأهم في نيويورك متعلقاً بالحرب المقبلة، بل بما قد يحدث دون حرب كبرى: أن تبقى حدود الأردن في مكانها، بينما يتغير كل شيء حولها.

فالخرائط الأخطر ليست دائماً تلك التي تُرسم بعد الحروب؛ أحياناً تتشكل أمام أعيننا، واقعاً بعد واقع، حتى نكتشف أن الخريطة تغيرت دون أن يرسم أحد خطاً جديداً عليها.الرأي

قد يعجبك ايضا