خطاب الملك في الأمم المتحدة.. صوت الأردن في مواجهة اختلالات المشهد الدولي

46

عبدالله الربيحات

في خطاب حمل وضوحاً سياسياً لافتاً، ونبرة حازمة تستند إلى القانون الدولي والحقائق  الماثلة على الأرض، وضع جلالة الملك عبدالله الثاني أمام المجتمع الدولي جملة من الحقائق التي لم يعد ممكناً تجاهلها، مؤكداً أن استمرار الأزمات دون محاسبة او  حلول حقيقية يهدد منظومة الأمن والاستقرار برمتها.

ويستحق خطاب جلالته أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة التوقف  عند مضامينه ودلالاته، لما حمله من رسائل مباشرة بشأن التطورات الخطيرة على  المنطقة، وفي مقدمتها الاعتداءات الإسرائيلية، والتوسع الجغرافي، وتجاهلاً للحقائق  الدولية، إلى جانب المخاطر التي تفرضها التطورات في سوريا على أمن المنطقة.

وتبرز أهمية الخطاب في أنه لم يكتفِ بوصف الواقع، بل وضع المجتمع الدولي أماممسؤولياته. فقد أشار جلالة الملك بوضوح إلى أن التعامل مع الانتهاكات لا يمكن أنيبقى محصوراً في الإدانات والقرارات التي تنتهي إلى حبر على ورق، مشدداً على أنغياب المساءلة يخلق واقعاً يسمح بتكرار الانتهاكات وفرض حقائق جديدة على الأرض.

ومن أبرز ما يحسب للخطاب أنه ربط بين الأمن الإقليمي والأمن الوطني الأردني، بصورةلا تحتمل الالتباس. فحين أكد جلالته أن أي تهديد للحدود الشمالية للمملكة أو لأمنهاالمائي هو تهديد للأمن القومي الأردني، كان يضع مسألة حماية المصالح الوطنية فيإطارها الطبيعي، باعتبارها مسؤولية ثابتة لا تخضع لتبدل الظروف أو تغير أولوياتالمجتمع الدولي.

كما حمل الخطاب رسالة واضحة بشأن سوريا، التي وصفها جلالته بأنها تمثل انذاراً يختار  المجتمع الدولي عدم الالتفات إليه، في إشارة إلى التوغلات والتوسع الجغرافي وفرض  الوقائع الجديدة، بما فيها ما يمس مصادر مائية حيوية. وهذه الإشارة تعكسقراءة أردنية للمشهد الإقليمي تقوم على التحذير المبكر من تداعيات الأزمات قبلتحولها إلى تهديدات أوسع نطاقاً.

وفي الملف الفلسطيني، حافظ الأردن على موقفه الثابت في دعم صمود الشعبالفلسطيني، والتمسك بالحلول القائمة على القانون الدولي، ومواصلة دعم وكالة الأمم المتحدة  لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، إلى جانب حماية الوضع التاريخيّ  والقانوني القائم في المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، في إطار الوصاية  الهاشمية.

ويحسب للخطاب كذلك أنه قدّم الدبلوماسية الأردنية باعتبارها خياراً قائماً على المبادىء ، لا تعبيراً عن التراجع أو الضعف. فالأردن، كما أكد جلالة الملك، مستعد للحوار مع  الجميع والعمل مع كل من يسعى إلى السلام، مع التمسك في الوقت ذاته بالقيم الإنسانية  وبالمصالح الوطنية.

وفي مواجهة منطق القوة العسكرية، جاءت رسالة الملك واضحة: القوة وحدها لاتطعم الجائع، ولا تعيد المهجرين إلى ديارهم، ولا تبني السلام. وهي رسالة تتجاوزاللحظة السياسية الراهنة لتؤكد الحاجة إلى معالجة جذور الأزمات، وتعزيز المؤسساتالدولية القادرة على استعادة الثقة والشرعية.

إن أهمية هذا الخطاب تكمن في صراحته وتماسك رسائله؛ فهو خطاب أردني يضع الامن  الوطني في مقدمة الأولويات، ويدافع عن الحقوق المشروعة، ويطالب المجتمع الدولي  بالانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة أسبابها.

وبذلك، يقدم خطاب جلالة الملك أمام الأمم المتحدة موقفاً أردنياً واضحاً في لحظة إقليمية  شديدة التعقيد، ويؤكد أن الأردن سيواصل حماية أمنه ومياهه ومصالح شعبه،مع التمسك بالدبلوماسية والسلام والقانون الدولي، ورفض أن تتحول القرارات الدولية إلى  مجرد نصوص بلا أثر على أرض الواقع.

قد يعجبك ايضا