من الخاسر؟
راكان السعايدة
البرلمان، النقابات، والأحزاب..
في العادة، تلعب الهيئات الوسيطة دوراً محورياً في ترسيم وتنظيم العلاقة بين الناس والسلطة، وفي حفظ توازن البنية الاجتماعية للدولة واستقرارها.
نقل مطالب الناس إلى السلطة، أو سياسات السلطة إلى الناس، جزء من وظيفتها، بينما دورها الأهم والأعمق تصحيح العلاقة بين الطرفين، ومعالجة أيّ اختلالات قد تنشأ بينهما قبل أن تتراكم، وتتحول إلى توترات وأزمات.
أولاً: تنبه السلطة إلى احتياجات الناس ومطالبهم، وتسهم كذلك في ترشيد سياساتها وقراراتها بما يراعيها.
ومن ثم، ثانياً: تجعل الناس أكثر تفهماً وتقديراً لواقع السلطة، وما قد تضطرها الظروف إلى اتخاذه من سياسات وقرارات.
ذلك لا يعني، بأي حال، أن وظيفة الهيئات الوسيطة استيعاب الشارع وامتصاص ردود فعله الناقدة أو الغاضبة، وكأنها وكيل السلطة، وإنما دورها أن تمنع حدوث ذلك من الأساس.
شرط ذلك أن تكون المعبّر عن الناس ومصالحهم أمام السلطة، وعلى الأخيرة أن تقبل ذلك وتتفاعل معه بإيجابية.. فهذا السلوك، من الهيئات والسلطة، من شأنه أن يحد من تنامي المشاعر السلبية، وتراكم الإحباط المفضي إلى هكذا ردود.
وهذا الفهم، إذا ما وضع في سياقه، لا بد أن يستدعي سؤالاً ضرورياً: ما واقع الحال عندنا؟.. وما الوضع الذي عليه هيئاتنا الوسيطة؟
في بلدنا، يمكن تحديد ثلاث هيئات وسيطة رئيسية: البرلمان والنقابات والأحزاب، مع وجود “مجتمع مدني” يمكنه أداء بعض هذا الدور، وإن كان بوزن وتأثير أقل.
الأطر الثلاثة ليست هياكل دستورية وقانونية لتنظيم المصالح، ولا يجوز النظر إليها بهذا المنطق الضيق، وإنما بوصفها أهم قنوات التعبير عن الناس.
وكي تكون على قدر هذه الأهمية المفترضة، فإن البرلمان الذي يشرّع ويراقب، والنقابات التي تنظم المهن، والأحزاب التي تمثل مصالح الناس، لا يجب أن تكون معزولة عن الناس، ولا منفصلة عن واقعهم، بخاصة إذا ما اعتبرناها الروافع الأهم لاستقرار الدولة، والأداة الأبرز لتمثيل الناس، ونقل آرائهم ومواقفهم إلى المستويات الرسمية.
الناس لا تريد أكثر من أن يبلغ صوتها السلطة ويؤثر في سياساتها وقراراتها؛ وإن تحقق لها ذلك، عندها تشعر بالاطمئنان، وتتعزز ثقتها بالدولة، وتمنحها الدعم الذي تحتاجه في تدبير الشؤون العامة.
فالناس، بطبيعتها، عندما تجد من يعبر عنها بالشكل الصحيح، لا تكون مضطرة للتعبير عن نفسها بنفسها.
فهل الأمر عندنا كذلك؟ بمعنى: هل هيئاتنا الوسيطة فعالة، وتقوم بعملها المفترض نيابة عن الناس؟
مع الأسف، لا.. فالأمر لا يبدو كذلك؛ لا برلمانياً، ولا نقابياً، ولا حزبياً.
إذ ليس شرطاً أن تكون هيكلاً مؤسسياً قائماً، لتملك، في الوقت ذاته، المقومات اللازمة لتكون الهيئة الوسيطة المقصودة..
الأمران مختلفان، لأن المسألة تتعلق بالجوهر والمضمون الذي تقدمه، لا بالهيكل الشكلي الذي تمثله.
البرلمان..
إن نظرة موضوعية إليه، بوصفه سلطة منتخبة، كفيلة بإدراك مأزق عدم ممارسته سلطته بالشكل الأمثل؛ يتضح ذلك في الأثر المحدود الذي يتركه عندما يشرّع القوانين، ويراقب أداء الحكومات، وكذلك في سياسات الدولة العامة.
البرلمان الحالي لا يختلف عن سابقيه، فهو التعبير الأكثر حضوراً عن امتداد تراكمي لتراجع مستوى أداء البرلمانات منذ العام 1993.
الأصعب والأثقل هنا أن الناس، مع تعمق ضعفه، تراجعت ثقتهم بالبرلمان تراجعاً شديداً، ويرونه عبئاً عليها وعلى الدولة، ليس لضعف أدائه وحده، بل لشعورهم بأنه منحاز للسلطة، ويعمل ضد مصالحها.
وفي تخلٍّ، أقرب إلى الطوعي، عن سلطته، بدا الأمر وكأن البرلمان ابتعد عن الفعل والتأثير، وحرم نفسه من أن يكون الهيئة الوسيطة الأهم، عند الناس، والأقوى، والأكثر موثوقية في تمثيلهم.
النقابات..
النقابات المهنية ليست أفضل حالاً؛ فهي، وإن كانت تمثل قطاعات مهنية، فإنها، تاريخياً، تعد ممثلاً ومعبراً مهماً عن قاعدة اجتماعية عريضة، يزيد قوامها على نصف مليون نقابي.
في سنوات سابقة، كانت النقابات، بما فيها مجلس النقباء، فاعلاً سياسياً مؤثراً؛ استطاعت أن تسد، بكفاءة، فراغاً نشأ في الساحة الوطنية عندما تراجع دور الأحزاب.
وقتها، ظهر الناس وكأنهم وجدوا ضالتهم في النقابات، فاتخذوها ملجأ بديلاً يمكنهم المراهنة عليها كشبكة لحماية مصالحهم.
فثقلها المهني، واتساع تمثيلها الاجتماعي، وتركُّز الطبقة الوسطى في بنيتها، والفراغ الناشئ عن غياب الأحزاب، منحها فائض قوة للاشتباك مع الملفات السياسية والاقتصادية، بمفهوم وطني أوسع.
في تلك المرحلة، وجدت النقابات نفسها أمام موجات من الضغوط الرسمية التي أرادت إلزامها بالكف عن النشاط السياسي، والاكتفاء بإدارة شؤونها المهنية، لكنها لم تستجب، ولم تتوقف.
اليوم، وبعد نحو ثلاثة عقود من الجدل والدفع باتجاه “مهننة العمل النقابي”، فإن الانطباع عن النقابات مختلف؛ إذ تراجع فعلها السياسي تراجعاً حاداً، ولم يعد الناس، ولا حتى منتسبوها، يرونها الصوت الذي يعبر عنهم.
وكأنها، كما البرلمان والأحزاب، عزلت نفسها مبتعدة عن الانخراط في المجال السياسي العام، ولا تراه أولوية، كما في السابق.
الأحزاب..
الأحزاب، أصابها ما أصاب سائر الهيئات الوسيطة؛ فضعف وتراجع فعلها السياسي لا تخطئه العين، حتى الأحزاب القليلة الفاعلة، لا تنكر محدودية تأثيرها.
في واقع بدت فيه وكأنها تنفذ خروجاً شبه جماعي من قلب العمل العام إلى هامشه، وانتقالاً مكانياً، شبه تام، من الأطراف إلى العاصمة.. مكتفية، عند الضرورة، ببيان هنا وتصريح هناك، على قاعدة “أضعف الإيمان”.
وهو ما يمثل تناقضاً صارخاً مع ما كانت عليه الأحزاب، في الخمسينيات والستينيات، إبان فترة الأحكام العرفية؛ فعلى الرغم من قسوة ظروفها، فإن قوة حضورها وتأثيرها، آنذاك، كانت من أسباب تكليفها بتشكيل الحكومة، وإن لم تصمد طويلاً.
الأحزاب التقليدية التاريخية التي كانت امتداداً لتلك الفترة، لم تعد ذاتها. حتى الأحزاب المنتجة في عهد الديمقراطية، لا العرفية، لم تترك أثراً يمكن للناس أن يلمسوه، ولا يبدو أنها ستتركه، وبعض من انتسب إليها يراها الممر الأسرع إلى مناصب الدولة.
بالنتيجة؛ أضاف الناس الأحزاب إلى قائمة الهيئات، التي إما متنصلة من دورها، وإما مقيّدة الفاعلية، لدرجة أصبحوا لا يرون أي جدوى في عمل الأحزاب، ولا في وجودها أصلاً.
ما سبب أن يكون الواقع هكذا..؟
بتقديري، هناك سببان رئيسيان عملا بشكل تراكمي لإنتاج هذا الواقع، وانتهيا إلى إضعاف الهيئات الوسيطة، وتنامي الشعور عند الناس بأنهم في حالة انكشاف أمام السلطة:
الأول: سياسي، إذ يبدو أن هناك اتجاهاً عند مراكز في بنية الدولة، أقل إيماناً بفتح المجال العام واسعاً لأطراف من خارجها. وكأنها لا تريد، في ظروف معينة، قوى فاعلة قد تؤثر في نوعية قراراتها، ولا شكل سياساتها.
أي: لا تريد من يقيد سلطتها في كيفية إدارة الشأن العام، ولديها الذرائع الكافية لتبرير ضبطها العمل داخل المجال العام.
الآخر: قانوني، إذ تصاغ بعض القوانين لإنتاج بيئة ملائمة لضبط نطاق العمل السياسي، وتحديد هوامش الحركة فيه.
أي: عند الضرورة، ما لا يُضبط بالأدوات السياسية، يُضبط بالأدوات القانونية.
هكذا الأمر؛ قانون انتخاب يؤثر في نوعية وتركيبة البرلمان، وآخر يقيد ويعقد البناء والعمل الحزبي، أما النقابات فمرت بتحولات وتأثيرات أفرزت قيادات حيّدت العمل السياسي من أجندتها.
وكل المكونات، بالمحصلة، تأثرت بتشريعات قيدت المجال العام، وحدّت، بدرجات مختلفة، من قدرتها على التعبير والتأثير.
هل هذا يخدم الدولة..؟
أبداً، لا يخدمها.. ولا يحقق لها أي مصلحة.
بل، هذا الواقع يخلق يأساً؛ يأس البرلمانيين والنقابيين والحزبيين من أنفسهم، ومن عدم قدرتهم على تمثيل الناس، ويأس الناس منهم جميعاً، ومن السلطة ذاتها.
هذا الشعور لا تكمن خطورته في صعوبة قياسه وتقديره، وإنما في عدم إمكانية توقُّع كيف يترجم نفسه.
لذلك، للدولة مصلحة، لا تماثلها أخرى، تدعوها، ولن أقول تلزمها، إلى الأخذ بكل أسباب تمكين الهيئات لتنشط وتعود وسيطة بين الناس والسلطة.
إن استعادة البرلمان والنقابات والأحزاب لمكانها ودورها الطبيعي، هو المدخل لاستعادة ثقة الناس، ومنحهم شعوراً بالاطمئنان بأن هناك جهات تمثل مصالحهم، وتراقب أداء السلطة، نيابة عنهم.
في المحصلة، ضعف الهيئات الوسيطة خسارة للجميع؛ الناس تخسر من يعبر عنها، والدولة تخسر أدوات للاستقرار، وجسوراً لتعزيز الثقة بينها وبين الناس.