هل أصبحنا أسرى الكلمات؟

17

د.صفاء شويحات

في المشهد العام العربي، تكاد نشرات الأخبار اليومية تتشابه بصورة لافتة؛ تصريحات تتكرر، عبارات محفوظة يعاد إنتاجها كل يوم، ومساحات واسعة تُستهلك في نقل ما قيل أكثر مما أُنجز. نسمع باستمرار: قال معالي الوزير… صرّح الأمين العام… أكد عطوفة المدير… أعرب رئيس الجمعية… شدد رئيس المنتدى…، حتى بات المتابع يشعر وكأننا نعيش داخل دائرة مغلقة من الأقوال التي تدور حول نفسها دون أن تلامس الواقع الحقيقي.

المشكلة ليست في الخطاب ذاته، فالكلمة جزء أساسي من العمل العام، والسياسات الكبرى تبدأ غالبًا برؤية تُعلن، وبخطاب يوضح الاتجاهات والأهداف. لكن الأزمة تبدأ عندما يتحول الخطاب إلى غاية بحد ذاته، وعندما تصبح التصريحات بديلاً عن الإنجاز، وحين تصبح إدارة الصورة الإعلامية أهم من إدارة النتائج على الأرض.

إن المجتمعات التي تتقدم لا تُقاس بعدد المؤتمرات الصحفية التي تعقدها، ولا بحجم التصريحات التي تصدرها المؤسسات، بل تُقاس بقدرتها على تحويل الأفكار إلى سياسات، والسياسات إلى برامج، والبرامج إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية. المواطن لا يريد أن يسمع فقط عن خطط الإصلاح، بل يريد أن يرى مدرسة أفضل، ومستشفى أكثر كفاءة، وخدمات أسرع، وفرص عمل حقيقية، ونظاماً إدارياً يحترم الوقت والإنجاز.

لقد أصبحنا بحاجة إلى مراجعة ثقافية عميقة؛ فالمشكلة ليست إدارية فقط، بل هي مرتبطة بثقافة مجتمعية اعتادت الاحتفاء بالكلام أكثر من الفعل. نحن نمنح مساحة واسعة لمن يتحدث، بينما لا نعطي القدر نفسه لمن يعمل بصمت وينجز بفاعلية. وهنا تكمن الإشكالية الحضارية الكبرى: هل نحن نبني ثقافة إنتاج أم نعيد إنتاج ثقافة الخطابة؟

الانتقال من ثقافة الخطاب إلى ثقافة الفعل يعني إعادة تعريف النجاح في مؤسساتنا. يجب أن تصبح الأخبار مرتبطة بما تم تنفيذه لا بما تم الإعلان عنه. بدلاً من أن نقرأ: “أكد المسؤول أهمية تطوير التعليم”، يجب أن نقرأ: “افتتاح عشر مدارس جديدة وفق نموذج تعليمي حديث”. بدلاً من متابعة خبر يقول: “ناقشت اللجنة مشكلة البطالة”، يجب أن نتابع خبراً يقول: “إطلاق مشروع وفر ألف فرصة عمل خلال ثلاثة أشهر”.

إن الأمم لا تنهض بالكلمات وحدها، لأن الخطاب مهما كان بليغاً لا يبني حضارة إذا لم يتحول إلى ممارسة يومية وسلوك مؤسسي ومنجزات حقيقية. الحضارة في جوهرها فعل منظم، والتاريخ لا يتذكر من تحدث كثيراً، بل يتذكر من صنع الفرق وترك أثراً.

السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم بصدق هو: إلى متى سنبقى أسرى ثقافة القول؟ ومتى نبدأ فعلاً ببناء ثقافة جديدة يكون عنوانها: أنجز أولاً… ثم تحدث بعد ذلك؟

فالمستقبل لا تصنعه التصريحات، بل تصنعه الأفعال. والكلمات الجميلة قد تُقنع الناس لبعض الوقت، أما الإنجاز الحقيقي فهو وحده الذي يبني الثقة ويصنع الأوطان.الرأي

 

قد يعجبك ايضا