رسالة إلى الوزير محافظة..التربية ليست مختبراً والطلبة ليسوا فئران تجارب

57

 

محمود الدباس

عندما يكتب رجل تربوي مخضرم بحجم الدكتور عبد الكريم الشطناوي.. فإن كلماته لا ينبغي أن تمر كمنشور عابر في زحمة ما نقرأ.. فالرجل لا يبحث عن منصب.. ولا ينافس أحداً على كرسي.. ولا يكتب من باب الخصومة الشخصية.. بل يتحدث من عمر قضاه بين المدارس والطلبة والمعلمين والمناهج.. ويعرف تماماً الفرق بين قرار تربوي مدروس.. وقرار يولد في مكتب.. ثم يكتشف أصحابه بعد أيام.. أنه بحاجة إلى تجميد.. أو تعديل.. أو تراجع..

والمشكلة يا معالي الوزير.. أن وزارة التربية والتعليم.. ليست دائرة هامشية يمكن أن نطبق فيها مبدأ التجربة والخطأ.. لأن الخطأ هنا لا يقع على ورقة.. بل يقع في عقل طالب.. وفي نفسية أسرة.. وفي مستقبل جيل كامل..

الطالب الأردني اليوم.. لا يحتاج إلى مزيد من القرارات المتلاحقة.. ولا إلى أن يستيقظ كل فترة.. ليكتشف أن الطريق الذي رسم له قد تغير.. وأن الامتحان الذي استعد له تغيرت قواعده.. وأن الخطة التي بنى عليها مستقبله جرى تجميدها.. أو تعديلها.. أو إعادة النظر فيها..

أي رسالة نرسلها لأبنائنا.. عندما يصبح مستقبلهم معلقاً بين قرار وتجمد.. وبين إعلان وتراجع.. وبين خطة جديدة وأخرى تلغيها؟!..

معالي الوزير.. التربية ليست مختبراً يتماهى مع اختصاصك.. والطلبة ليسوا فئران تجارب..

قد يصلح للطبيب في مختبره أن يراقب نتيجة تجربة.. ثم يعدل الفرضية.. ويعيد المحاولة.. فهذا جزء من طبيعة البحث العلمي.. أما أن تنتقل عقلية المختبر.. إلى وزارة تدير مستقبل مئات الآلاف من الطلبة.. فهنا يصبح الأمر أكثر خطورة من مجرد قرار غير موفق..

لأن الطالب ليس رقماً في جدول إحصائي.. وليس عينة يمكن استبدالها إن لم تنجح التجربة..

إنه إنسان يعيش قلق القرار.. ويدفع ثمن التخبط من أعصابه ومستقبله.. بينما يدفع والداه الثمن قلقاً.. وحيرة.. وخوفاً على سنوات من التعب.. قد تضيع بسبب قرار لم ينضج قبل أن يخرج إلى الناس..

والأخطر من القرار الخاطئ.. هو غياب الاستقرار في القرار..

فالوزارة التي تعلن ثم تتراجع.. وتقرر ثم تجمد.. وتفتح طريقاً ثم تغلقه.. لا تصنع بيئة تربوية آمنة.. بل تصنع جيلاً مرتبكاً لا يعرف على أي أرض يقف.. ولا أظن هذا هو هدفك..

وهنا لا أتحدث عن قرار واحد.. ولا عن شخص الوزير فقط.. بل عن منظومة كاملة يجب أن تدرك.. أن التربية والتعليم ليست ملفاً إدارياً عادياً.. إنها القضية الوطنية الأولى.. لأن كل شيء في هذا الوطن يبدأ من غرفة الصف..

الطبيب يمكنه أن يخطئ في علاج مريض.. فيحاسبه العلم والقانون والضمير.. لكن الخطأ في التربية يصيب جيلاً كاملاً.. ولا تظهر نتائجه إلا بعد سنوات طويلة.. حين يكون قد فات أوان التراجع..

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لوزارة التربية.. أن تُدار بعقلية التجريب والمختبر..

معالي الوزير.. خذ لحظة واحدة بعيداً عن المكتب واللقاءات والتقارير.. وانظر إلى آلاف الطلبة.. الذين ينتظرون من وزارتك طريقاً واضحاً لا يتغير كلما تغير المزاج الإداري..

انظر إليهم بعين الأب.. لا بعين المسؤول..

وانظر إلى مستقبلهم بعين الوطن.. لا بعين التجربة..

فالأجيال لا تعاد إلى المختبر عندما تفشل التجربة.. فهم ليسوا عيّنات..

والسنوات التي تضيع من عمر الطالب.. لا يمكن استعادتها بقرار جديد..

وأخيراً.. لا بد أن نذكرك بموقف لن ينساه الأردنيون لك.. يوم فاجعة البحر الميت..

يومها لم تكن أنت من فتح السد.. ولم تكن أنت من أرسل المياه لتجرف أبناءنا.. ومع ذلك تحملت مسؤولية أدبية.. وقدمت استقالتك.. فسجل الناس لك موقفاً من الشجاعة والمسؤولية..

أما اليوم يا معالي الوزير.. فالأمر مختلف..

فاليوم نحن لا نتحدث عن مسؤولية أدبية تجاه حدث لم تكن سبباً مباشراً فيه.. بل عن مسؤولية إدارية كاملة تجاه قرارات تصدر من وزارة أنت على رأسها.. وتؤثر في حاضر ومستقبل أبنائنا..

فإن كنت قد امتلكت شجاعة الاستقالة يوم تحملت مسؤولية أخلاقية عن فاجعة لم تصنعها يدك..

فهل تمتلك الشجاعة ذاتها اليوم.. لتحمل مسؤولية قرارات صنعتها إدارتك المباشرة؟!..

ليس المطلوب أن نستبدل وزيراً بوزير.. ولا أن نبحث عن رأس نعلقه على شماعة الأخطاء..

المطلوب أن ندرك جميعاً.. أن مستقبل أبنائنا أكبر من أي منصب.. وأغلى من أي شخص..

وأن الوطن لا يحتمل أن نخوض في أجياله تجارب.. ثم ننتظر النتائج..

فالتربية يا معالي الوزير.. ليست مختبراً..
والطلبة.. ليسوا فئران تجارب..

فإن كنت ذاك الرجل الوطني الاصيل.. نسألك الله والرحم أن تقدم استقالتك.. ولتجعل الاردنيين يسجلونها بمداد من ذهب.. ويذكروك بخير.. ويترحموا عليك -بعد عمر مديد- كما ترحموا على أمثال معالي ذوقان الهندواي..

محمود الدباس – أبو الليث..

#الاردن

🔴 أرجو ممن يجد فيه رسالة وطنية.. المساهمة في نشره لعله يصل لآذان فيها بصيص أمل..

قد يعجبك ايضا