الناقل الوطني ومديونية قطاع المياه
أحمد حمد الحسبان
طبيعي أن ينعكس تنفيذ مشروع الناقل الوطني على حجم مديونية قطاع المياه. فمشروع بهذا الحجم وبهذا المستوى من الأهمية يحتاج إلى مبالغ ضخمة لكي يرىالنور. فتنفيذ المشروع يحتاج إلى مليارات الدولارات التي تعجز موازنة الدولة عنتوفيرها إلا من خلال قروض ومساعدات وشراكات تكون محصلتها زيادة في الكلفةوارتفاعا في حجم مديونية القطاع أولا ومديونية الدولة ثانيا.
غير أن اللافت هنا ما نتابعه من تناقضات في تصريحات المسؤولين عن قطاع المياه. منها ما يتعلق بكلفة المشروع العملاق ـ قياسا بالواقع الأردني ـ ومنها ما يتحدث عنحجم مديونية القطاع بشكل عام. ومنها ما يمس الخطط والاستراتيجيات التي قيل أنهاتحكم القطاع وترسم طريقه لعقود مقبلة.
التناقض لا يتعلق بتصريحات قد يقال أنها نقلت مجتزأة، أو فهمت خطأ، وإنما بوثائقاحتاج وضعها وإقرارها إلى وقت وكلفة، وتم الكشف عن مفاصلها الأساسية بما في ذلكمديونية القطاع وكيفية التعامل مع هذه المديونية إداريا وماليا.
من ذلك الاستراتيجية الوطنية للمياه، التي يفترض أن تغطي الأعوام ما بين 2023 و2040. وتتناول مسائل الحفاظ على الأمن المائي، وتوفير المصادر المائية ـ ومنهاالناقل الوطني، وتخفيض الفاقد بنسبة 2 بالمائة سنويا، وتعزيز البيئة التشريعيةوالقانونية للحد من الاعتداءات على مصادر المياه سواء خطوط وشبكات المياه أو حتىالمياه الجوفية.
وفي الشق الآخر تعزيز الموارد المالية للقطاع بتعديل آليات احتساب وتحصيل الفواتير،ورفع أسعار المياه ضمن برنامج يغطي الفترة ما بين 2024 و 2028، وبواقع 6، 4 بالمائة سنويا مع تحويل القراءات من ربعية إلى شهرية. ما رفع الكلفة الفعلية علىالمشتركين المنزليين بأكثر من مائة بالمائة.
وبعد تطبيق المراحل الثلاث الأولى من خطة الرفع تشير تصريحات المسؤولين إلى أنالمديونية قاربت الخمس مليارات دولار، بارتفاع يناهز المليارين، وأنها سترتفع إلى 15 مليار دولار بعد تنفيذ مشروع الناقل الوطني، الذي ارتفعت كلفته أيضا، وأن تعرفةالمياه سيتم رفعها تبعا لذلك.
بالطبع هناك إجماع على أهمية تنفيذ الناقل الوطني الذي يوفر 40 بالمائة منالاحتياجات المنزلية. وهناك إقرار بأن المملكة تعاني من شح في المصادر المائية. لكنالسؤال الذي يفرض نفسه، هل نجحت الدولة الأردنية في إدارة مصادرها المائيةبالشكل الذي يتواءم مع الاحتياجات المتصاعدة للماء؟
قد لا يجد البعض صعوبة في الإجابة على هذا السؤال.. غير أن لسان حال الشارع يشيرإلى جملة من المعطيات التي قد تؤشر على خلل ما.
فمن حيث المبدأ، ما زالت نسبة الفاقد من المياه مرتفعة جدا وتصل ـ بحسب بعضالأرقام ـ إلى 47 بالمائة قد تزيد أو تنقص قليلا، وأن جميع الخطط التي أعلنت ورصدلها ملايين الدنانير لم تجد نفعا في تحقيق الخفض.
ومن جهة ثانية، فإن حملات الكشف عن سرقات المياه، سواء لبيعها من جديد أوللزراعة أو لأية مجالات أخرى وكانت محصلتها سرقة عشرات الملايين من الأمتارالمكعبة من المياه لم تأت بنتائج إيجابية تساوي حجم المشكلة. فتقارير القضاءالخاصة بالعفو العام الأخير تشير إلى أن غالبية الذين تم ضبطهم والذين أحيلوا إلىالقضاء وصدرت بحق بعضهم أحكاما خرجوا بموجب العفو.
وهناك ملف شائك ما زال قائما، ويستنزف النسبة الكبرى من مياه حوض الديسيوبأكثر مما يجود به مشروع الديسي نفسه. فبعض المزارع العملاقة في منطقة الديسيالمؤجرة « ببضعة قروش للدونم» منذ عقود حصلت وما زالت تحصل على مئاتالملايين من الأمتار المكعبة من المياه الصالحة للشرب سنويا، وتقوم بتصدير إنتاجهاإلى الخارج على شكل خضراوات.
فما الذي يحدث لو أن الدولة قررت استعادة تلك الأراضي ووقف تلك العقود بحكمالحاجة الماسة للمياه لغايات الشرب؟الغد