العرب والمسلمون وإمبراطوريات الوهم وأقدام الطين

11

د فايز سليم الهروط

يعيش  العالم  المعاصر  اليوم  مفارقة صارخة؛ فبينما تتطاول  الأبراج  الشاهقة،  وتزدحم  السماء  بالمسيّرات الذكية،  وتتحصن  القوى  الكبرى  خلف ترسانات  نووية  عابرة  للقارات،  يبدو هذا البناء المهيب  كأنه يقف  على  أرض مائجة.

إننا، في الحقيقة،  نقف  مذهولين  أمام مشهد  عمالقةٍ  عظام،  صعدوا  إلى كراسي  الحكم  بوعود  المجد  العظيم والتحصين  الفائق  لاقوامهم ،  لكنهم يمتلكون أقداماًمن طين  وفخار،  أقدام يوشك ثقل العجرفة  والقطيعة  مع الإنسانية أن يشقّها  منالجذور.

لقد سقطت النخب  الحاكمة في  فخ “المكيافيلية  الحديثة”،  حيث  تحولت عبارة “الغاية  تبرر  الوسيلة” من  مجرد نصيحة  في  كتاب  قديم  عقيم،  إلى عقيدة  سياسية  عمياء.

ومن  رحم  هذه العدمية  الأخلاقية،  تبرز  في  عالمنا المعاصر  ثلاثة أقطاب يبدون  فيالعلن  كأعداء  لدودين، لكنهم يتنفسون  من  الرئة  المفاهيمية  ذاتها: “دونالدترامب”،  و”نتنياهو”،  و”ملالي طهران”.

إن  هؤلاء  يجمعهم،  فوق  غطرستهم، احتلالهم  للأراضي  العربية  واستباحتها بطريقة  أو  بأخرى،  كما  يجمعهم  إيمان عميق  بأن القوة العارية  والقاهرة  هي “الحق  المطلق”، متدثرين  بأوهام إمبراطورية  ذات  أبعاد   غيبية،  أو قومية متعصبة، أو  نفعية  صلبة.

وفي  سبيل  بناء  حصونهم  الشخصية والسياسية،  أداروا   ظهورهم  لكل  ما  هو  إنساني، فابتدعوا  الخطوة  تلو الخطوة  في  ممارسة  القهر  تجاه مجتمعاتنا  ومجتمعاتهم؛  فلا  تحرك ضمائرهم  دماء  أطفالنا  ونسائنا  التي سالت  وتسيل  في  أكثر  من  بلد  عربي مستباح.

وفي  ذات  السياق،  لا  يضير  الملالي  أن يجوع  الشعب  الإيراني  ويتهاوى  الريال تحت  وطأة  تضخم  سرطاني،  ما دامت صواريخ  المحور  تمد  نفوذها  عابرة للحدود  على  حساب  استقرار  حواضر عربية  عريقة.

ولا  يهتز  لنتنياهو  جفن  لجرائم  الابادة في  غزة  و دمار لبنان  واليمن  وهو   يجر  المتصهينيين  معه نحو  حروب  مستمرة، وعزلة  دولية،  وشرخ  داخلي،  وهجرة عكسية  تتزايد  من  الداخل  إلى  الخارج، ما دام  ائتلافه  السياسي  المتطرف يحميه  من  المحاكمة  التاريخية والقانونية.

كما لا  يتردد  ترامب  في  تمزيق  النسيج الاجتماعي  لأمريكا،  وتعميق  استقطاب حاد  قد  يقود  بلاده  لحرب  أهلية ، معلياً  شعار “لنعد  أمريكا   عظيمة  ثانية”  متباهياً  بأنها “أكبر قوة عسكرية على  وجه  الأرض”،  فقط  لتعزيز  قاعدته الانتخابية  وتحصين  نفوذه.

الإنسان  في  طواحين  هؤلاء  العمالقة ليس  غاية  يجب  إسعادها،  بل  مجرد وقود  يُحرق  في  سبيل  تحصين  النفوذ والسيطرة.

هذا المشهد  السوداوي  ليس جديداً على  التاريخ،  بل  هو  صدى  متكرر لصراع  أزلي  بين  أيديولوجيات  القوة وعقائد  المحبة.

قديماً،  تفاخر  النازيون  بعقيدتهم الدموية  قائلين:

“ما أحوجنا  إلى  العنف،  فإن  العنف الملتهب  هو  ما  يصنع  المستقبل!

فكانت  النتيجة  دماراً  أتى  على  الأخضر واليابس،  وانتهى  بالعملاق  حطاماً  غارقاً فيطين التاريخ.

وفي  المقابل،  وقف المفكر  والقائد الهندي  جواهر  لال نهرو   مستنيراً بوعي إنساني  عميق  ليصرخ  في  وجه  طواغيت  العصر:

“ما  أحوجنا  للحب،  فالحب  هو  ما يصنع  المستقبل”

فالأوطان  الحقيقية  لا  تبنى   بمجنزرات الحرب  وقهر  الشعوب، بل  بقلوب  تؤمن  بكرامة  الإنسان.

هذا النداء  الإنساني  هو  في  جوهره امتداد  للنور  الروحي  الذي  حملته الرسالات  السماوية؛   فقد  جاء  السيد المسيح  عيسى  عليه  السلام، نبي  السلام  والرحمة،  ليختصر  الوجود الإنساني  كله  في  كلمة  واحدة:

“الله  محبة..  والناس  محبة”

راداً  على  غطرسة  الإمبراطورية الرومانية بقوة  الروح  والرحمة  التي  لا  تزول  بزوالالممالك.

ثم جاء  خاتم  الأنبياء  والمرسلين،  سيدنا محمد ﷺ،  لينقل  المحبة  من  فضاءالمشاعر المجردة  إلى  حيز  التشريع والشرط  الإيماني  المطلق، رابطاً  سلامةالمجتمع  بأخلاق  التكافل  والاعتراف بالآخر،  حيث  قال  في  التوجيه  النبوي الخالد:

“والله لا  يؤمن أحدكم  حتى  يحب  لأخيه ما  يحب  لنفسه”

وزاد  في  التأكيد:

“والله لا يؤمن  أحدكم  حتى  يحب لجاره ما  يحب  لنفسه”.

هنا يتجلى الإيمان  الحق  كصمام  أمان يحمي  الإنسان من أخيه الإنسان، ويجعل من  الأمن  الاجتماعي  والكرامة  البشرية أساساً  لكل  عمران  وبناء.

في نهاية  المطاف،  سيمضي  عمالقة العنف  والوهم  إلى  غياهب  النسيان، وستتحطم  أقدامهم  الطينية  تحت  ثقل أوهامهم  ونرجسيتهم  السياسية؛ فالتاريخ  لم  يحفظ  أسماء  الطغاة  إلا  في صفحات الخزي،  بينما  بقيت  كلمات الأنبياء  والفلاسفة  الذيننادوا بالمحبة، منارات  تضيء  عتمة  البشرية.

إن  القوة  القاهرة  تبني  قلاع  وهم مؤقتة يحاصرها الغليان، أما المحبة  فتبنيالإنسان،  والإنسان  هو  أصل  الوجود وسيد الكون.

ومهما علا  فخار  البناء،  يبقى  الطين طيناً، ولا خلود  إلا  لمن  زرع  في  الأرض  حباًوأنسنة.

قد يعجبك ايضا