هل تلقى ايران مصير فنزويلا؟

26

ماري ديجيفسكي

من خلال دبلوماسيته المدعومة بالأساطيل العسكرية كشف الرئيس دونالد ترمب عنأسلوبه في تحقيق أهدافه، وهو ما يحمل أخباراً سيئة لملايين الإيرانيين العاديين الذينآمنوا بأن الدعم الأميركي كان في طريقه

لإطاحة نظامهم الديني العنيف

في ضوء نهج “أميركا أولاً”، يستخدم ترمب مزيجاً من استعراض القوة والمفاوضاتلتحقيق مصالح بلاده، مما يجعل تعامله مع إيران امتداداً لأسلوبه في فنزويلا وغيره،ضمن براغماتية متقلبة هدفها النهائي ضمان الهيمنة الأميركية بلا تورط عسكري طويل.

“هناك أسطول بحري لافت آخر يبحر الآن بصورة جميلة نحو إيران“، بهذه العباراتأبلغ الرئيس الأميركي الحاضرين خلال تجمع انتخابي في ولاية أيوا، في الغرب الأوسطالأميركي. ونقل الرسالة نفسها إلى العالم كله عبر منصاته المعتادة على وسائل التواصلالاجتماعي.

وقد أعد من يتابعون مثل هذه المواضيع خرائط تظهر عدداً هائلاً من القوات العسكريةالأميركية، ومعظمها من القطع البحرية وهي تشق طريقها في البحر نحو المنطقة. الرسالة المفترضة من كل ذلك هي: استعدوا يا آيات الله، لهجوم عسكري أميركي واسعوشامل ونهاية محتملة لنظام حكمكم.

ومن دون فترة انتظار طويلة جاء الرد العدواني الإيراني من وزير الخارجية هناك، الذيقال إن قوات البلاد المسلحة مستعدة “والأصابع على الزناد”، وترافق كل ذلك مع حالمن الذعر في كافة أنحاء المنطقة، وبين حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين، خوفاً مناندلاع حرب وشيكة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران.

ولا يمكن استبعاد مثل هذا السيناريو الدرامي والمزعزع للاستقرار، لكن في الوقتنفسه، أوضح دونالد ترمب كيف يمكن تفاديه. فقد قال إن على قادة إيران أن “يأتوابسرعة إلى طاولة المفاوضات”، وأن “يتفاوضوا على اتفاق عادل ومنصف ومن دونأسلحة نووية”.

بمعنى آخر، يمكن لنظام إيران أن ينجو، في الوقت الراهن، مقابل قبول قيود صارمةتقضم ما تبقى من نفوذه الإقليمي المحدود أصلاً.

ثمة نقاط عدة يمكن التوقف عندها هنا، بدءاً من البديهي منها: وهو أن المسؤولية تقع،جزئياًبل إلى حد كبيرعلى عاتق دونالد ترمب في عدم التزام إيران اليوم بالرقابةالدولية على ما قد تبقى من برنامجها النووي. فمن المعروف أنه هو من سحب الولاياتالمتحدة من “خطة العمل الشاملة المشتركة” (الاتفاق النووي الإيراني)، في منتصفولايته الأولى، متجاهلاً اعتراضات الأمم المتحدة والدول الأوروبية. وقد ترافقالانسحاب مع إعادة فرض العقوبات، التي يرجح أنها أسهمت في إذكاء السخط الشعبيتجاه الأوضاع الاقتصادية المتردية والذي كان أحد أسباب موجة الاحتجاجات الأخيرةفي إيران.

ويمكن أيضاً اتهام ترمب بتنفيذ انعطافة كاملة، أخرى، في مواقفه. فبعد أن عرض“إنقاذ” المتظاهرين الإيرانيين قبل أن تقمع احتجاجاتهم بوحشية، ها هو اليوم يتوجه،بطريقته المعهودة، إلى القيادات نفسها التي خرج المحتجون لمعارضتها، في محاولةلتحييد إيران باعتبارها “تهديداً عسكرياً محتملاً”.

وقد يطرح هنا سؤال مشروع: أي منحى يتبعه ترمب فعلاً؟ التهديد بإسقاط النظام، أممد يد العون إلى قادته؟ وفي الحالتين، ألا نقف أمام انعطافة جديدة تضاف إلى سجلتقلباته السياسية؟

ومن خلال محاولتي الإجابة عن السؤال، دعوني أقدم لكم جملتين: “أميركا أولا”، و”فنإبرام الصفقات”، ثم ننتقل إلى دراسة وثيقتين رسميتين أميركيتين صدرتا حديثاً، وهماموجزتان وتسهل قراءتهما، والوثيقتان تحددان الأهداف الأساسية للسياسة الخارجيةوالدفاعية الأميركية في عهد الرئيس ترمب.

ما نحن بصدد مشاهدته بخصوص إيران، وليس للمرة الأولى، هو تحديداً أسلوبالرئيس ترمب، وطريقته في تحقيق تلك الأهداف. وهذا ليس مؤشراً، كما وصفه بعضمنتقديه الأميركيين، على “تاكو” التي تعني “أن ترمب يتراجع دوماً” Taco – Trump always chickens out، بل هو، وفق الكلمة التي استخدمها في رفضه لتلك الصفة:طريقه في إجراء “المفاوضات”. ويمكننا أن نضيف بأن المفاوضات بالنسبة إلى الرئيسترمب غالباً ما تأتي مع مقدمة قديمة الطراز على شكل دبلوماسية استعراض القوة منطريق تحريك الاساطيل الحربية: أي إظهار القوة لغايات الترهيب والردع.

في حديثه عن “أسطول بحري” يشق طريقه نحو الشرق الأوسط، لمح الرئيس ترمبإلى أنه يرى إيران من المنظار نفسه الذي اعتمده مع فنزويلا. هناك، قام ترمب بعرضالمفاوضات وثم التهديدات، قبل قيامه باعتقال الرئيس وزوجته بالقوة، تاركاً خلفهإدارة فنزويلية مذهولة تفتقد قائدها، وتسهل السيطرة عليها من قبل واشنطن.

وإذا كان ثمة من لا يزال غير مقتنع بأن هذا قد يكون “الدليل الإرشادي” الذي يستخدمهترمب مع إيران، فإن الرئيس الأميركي سبق أن تفاخر بأن القوة البحرية المنتشرة فيالخليج “أكبر بكثير” من تلك التي أرسلها إلى فنزويلا.

على رغم إصرار الأوروبيين على أنهم أرغموا الرئيس ترمب على “التراجع” عن طموحهفي غرينلاند، يبقى من غير الواضح ما إذا كانت تلميحاته باستخدام القوة أو بفرضرسوم جديدة أكثر من مجرد مناورة افتتاحية في مسار تفاوضي، تماماً كما تبين لاحقاً أنالرسوم الجمركية العالمية التي فرضها قبل عام لم تكن سوى ورقة ضغط أولى. أماالتراجع الحقيقي الوحيد الذي أمكن رصده في سلوك ترمب، فتمثل في اعتذار غيرمكتمل عن التصريحات التي وصفها رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بأنها “مهينةومروعة” في حق القوات البريطانية وغيرها من قوات حلف الأطلسي التي خدمت فيأفغانستان، قبل أن يعود الرئيس الأميركي ليشيد بالجنود البريطانيين ويصفهمبـ”الشجعان”.

كقاعدة عامة، يبدو أن الرئيس ترمب يتجنب العمليات العسكرية التي تتطلب نشرقوات عسكرية على الأرض، أو التزاما طويل الأمد ببقاء تلك القوات في مسرحالعمليات، أو النتائج غير المؤكدة لأي تدخلات عسكرية. في ولايته الثانية كانت كلالعمليات العسكرية حتى الآن محدودة للغاية من حيث الوقت والنطاق، واستندت إلىحسابات دقيقة للأخطار مقابل ما يمكن تحقيقه من مكاسب. وفي حين توقع البعض أنتتضمن عملية ترمب في فنزويلا تغييراً للنظام، إلا أن ذلك لم يحدث. فقد تم قطع رأسالنظام، ولم يُطح.

وكما هو الحال في إيران حتى الآن، يبدو أن ترمب قد رفض أيضاً أي مخطط لتنصيبشخصية معارضة في المنفى، قائلاً في كلتا الحالتين أنه من غير الواضح ما إذا كانالمرشحان الأبرزانأي زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو التي قامتبتقديم ميدالية جائزة نوبل التي فازت بها إلى الرئيس ترمب، ورضا بهلوي، ولي عهدإيران المنفييتمتعان بدعم شعبي كاف. وإذا كان الرئيس ترمب قد استفاد منالدروس المستقاة من التدخلات الأميركية السابقة في أفغانستان والعراق وليبيا، فهذاأمر جيد للغاية.

ومن النصائح الشائعة التي ظهرت في فترة ترمب الأولى أن كلماته يجب أن تؤخذبجدية، ولكن ليس بحرفية. وقد يقال أيضاً إنه يستخدم لغة مغالية بتطرفها، فيما يكيفأفعاله لاحقاً وفق ما يراه ممكناً أو واقعياً. وكما جرى مع فنزويلا، ومع الرسوم الجمركية،وغرينلاند، والآن مع إيران، يجب أن تكون التهديدات معقولة. ويجب أن ينظر إلى النتائجالمرجوة، على أنها تصب في مصلحة أميركا، وهذا ربما يفسر ما يبدو أنه تردد في الملفالإيراني، وفي الملف الأوكراني، الذي تنظر إليه واشنطن أكثر فأكثر على أنه مشكلةأوروبية.

أما مقاربة ترمب للصينكما وردت في “استراتيجية الدفاع الوطني”فتبدو أقلتشدداً مما جاء في خطابات رؤساء الكونغرس والرؤساء السابقين. فالوثيقة تشير إلىأن التعامل مع الصين سيتم عبر “القوة، لا المواجهة”، وتؤكد أن الولايات المتحدة لاتسعى إلى “السيطرة على الصين أو إهانتها أو خنقها”، بل تريد “سلاماً محترماً، بشروطتصب في مصلحة الأميركيين، ويمكن للصين في الوقت نفسه قبولها والعيش فيظلها”.

وعند تجميع هذه العناصر، يتضح أن علاقات القوة هي التي تحكم المشهد، وأنالمصالح الأميركية، كما يراها ترمب والدائرة المحيطة به، تأتي أولاً، إلى جانب أمننصف الكرة الغربي.

ومن المحتمل أن تتغير حسابات المصالح الأميركية، كما حدث في حال إيران، حيث أظهر  النظام عزيمته وقدرته، في الوقت الحالي، على التمسك بالسلطة. هذه ليست تراجعات أو انعطافات، بل تجليات لـ”واقعية ترمب”، حيث تبقى القاعدة الأساس ثابتة:“أميركا أولاً”.الاندبندنت

قد يعجبك ايضا