البطولة الممنوعة في الأردن

35

البطولة الممنوعة في الأردن

د.سعيد المومني

ليس هذا مقالاً في رثاء رجل رحل قبل أكثر من نصف قرن، ولا محاولة متأخرة لتقديساسم جديد في سجل القديسين السياسيين. على العكس تماماً؛ هو محاولة للحديثعن “البطولة الممنوعة في الأردن” من خلال حالة (وصفي التل)، وعن الطريقة التينُمنَع فيها كأردنيين من حق طبيعي وبسيط؛ أن نرى في حاضرنا رجال دولة كباراً يمكنأن نختلف معهم، لكن نستطيع أن نسميهم بلا تردد: أبطالاً.

من هنا تبدأ الحكايةمن رفض تأليه الأشخاص، ورفض تحويلهم إلى أصنام. فكلماحولنا الزعيم إلى قديس، صرنا عاجزين عن نقده، وعاجزين عن فهم اللحظة التي عاشفيها، وعاجزينوهذا الأخطرعن إنتاج أبطال جدد من بعده.

في ٢٨١١ من كل عام، تعود إلى الواجهة صورة (وصفي التل)؛ الرجل الذي قُتل على درج“فندق الشيراتون” في القاهرة، وبقي حياً في وجدان قطاع واسع من الأردنيين. لكنقبل أن نسأل: ماذا كان وصفي؟ ربما علينا أن نطرح سؤالاً أسبق: من يعرف “الوطنية”في الأصل، ومن يقرر أن هذا وطني وذاك خائن أو عدو؟

الولايات المتحدة الأمريكية، حين ترسل طائراتها وجيوشها واستخباراتها لتغيير نظامهنا أو اغتيال قائد هناك، تقدم ذلك لشعبها باعتباره ذروة العمل الوطني، دفاعاً عن“المصلحة القومية العليا”. الطرف الآخر يرى الفعل نفسه عدواناً، ومن يتعاون مع هذهالسياسات يُوصف بالخيانة والارتهان. الشخص نفسه يمكن أن يكون بطلاً في رواية،وعدواً في رواية أخرى. الحدث نفسه يمكن أن يُروى في خطابين متناقضين، وكلخطاب يدّعي أنه يحتكر تعريف “الوطنية” و”الخيانة” و”الشهادة”.

وصفي التل عاش في قلب هذا التناقض: في عين غالبية الأردنيين هو رجل دولةاستثنائي، رمز لنظافة اليد والكرامة الشخصية والوطنية. وفي وعي جزء منالفلسطينيين والعرب ارتبط اسمه بأحداث أيلول وبسياسات يرونها قاسية وجائرة. إذن،نحن لا نتعامل مع لقب بريء اسمه “وطني”، بل مع رواية. رواية يكتبها المنتصر، أو منيمتلك الدولة، أو من يملك القدرة على البقاء في الذاكرة أطول من خصومه.

غالبية من تعاقبوا على السلطة في الأردن أُثيرت حولهمبحق أو بغير حقأسئلة عنالمال والسلطة وتوريث النفوذ. ثروات تتضخّم، نفوذ يُورَث، أبناء وأحفاد يتحولون إلى“أصحاب حق مكتسب” في الدولة والمجتمع، كأن المنصب العام صار بوابة إلى الثروة،والثروة بوابة إلى توارث المكانة. في هذا المشهد، يبدو وصفي التل استثناءً فادحاً: لميخرج من الحكم وفي رصيده شركات عابرة للحدود، ولا حسابات متخمة، ولا شبكة منالأبناء والأصهار والأحفاد الذين يواصلون الاستثمار في اسمه. ترك بيتاً جميلاً على تلة،وبعض الدنانير، وربما ديوناً؛ وترك قبل ذلك ما هو أثقل وأبقى: سمعة رجل لم يُعرفعنه أنه خلط بين جيبه وجيب الدولة.

هنا يدخل عنصر قاس ولكنه حقيقي: “حظ وصفي التاريخي” أنه لم يُرزق بأبناء. كثيرونقبله وبعده شوه الأبناء والأحفاد صورة الآباء؛ دخلوا شراكات مشبوهة، أو تصرفواكـ”أمراء ظل”، أو باعوا رصيد العائلة في سوق النفوذ والمصالح، فدفع الآباء ثمن أفعالالأبناء بعد موتهم. وصفي نجا من هذه المأساة. لم يكن هناك “أمير صغير” يحملاسمه ويتكئ على صورته ليفرض نفسه على الدولة والمجتمع. لم يكن هناك من يبيعرصيده في المزاد، ولا من يحول سيرته إلى “ماركة تجارية” معلبة. بقي وحيداً فيالتاريخ؛ رجل سلطة خرج من السلطة بلا شبكة ورثة يسيئون إليه بعد رحيله. بهذاالمعنى، كان وصفي جزءاً من السلطة، لكنه لم يكن جزءاً من طبقة المال والورثة التيتمتد جذورها في جسد الدولة حتى اليوم.

اغتيال وصفي التل ليس مجرد فصل دموي في تاريخ الصراع العربيالإسرائيلي أو فيتاريخ العلاقة الأردنيةالفلسطينية؛ هو أيضاً لحظة مفصلية في تاريخ السياسة الأردنيةنفسها. وصفي لم يكن مجرد رئيس حكومة عابر؛ كان صاحب كاريزما ثقيلة، يزدادحضوره شعبياً وسياسياً. بدا في أعين كثيرين كمن يقترب من أن يتحول إلى “زعامة” لاإلى مجرد منصب. في بلد حريص بطبيعته وتركيبته على التوازنات، كان هناك من يرىفي صعوده خطراً على شكل اللعبة كلها. سياسيون ووجهاء وبرلمانيون رأوا فيه حاجزاًسميكاً أمام صعودهم؛ مراكز نفوذ تقليدية شعرت أن هذا الفلاح القادم من الهامشيملك ما يكفي من الجرأة ليغير قواعد اللعبة؛ وربما قلق في أعلى هرم السلطة منزعامة سياسية تكبر أكثر مما ينبغي.

الاغتيال هنا لا يعود مجرد خسارة لرجل، بل فرصة لتوزيع جديد للأدوار. يختفي الرجلالذي بدأ يتحول إلى Hero بطل، وتُفتح الساحة لعودة الأنماط المألوفة منالسياسيين: وجوه كثيرة، وأسماء تتكرر، بلا كاريزما حقيقية، ولا مشروع أكبر من إدارةاليومي وتدوير الكراسي. السؤال المؤلم الذي تفتحه ذكرى وصفي كل عام هو: هلاغتيل وصفي التل كشخص فقط، أم اغتيل معه نموذج للزعامة لم يُرد لها أن تكبر أكثر؟

ليس سر تعلق الأردنيين بوصفي أنه فقط “نظيف اليد” أو لانه عُرف “بالرئيس الفلاح”،هذه عناصر مهمّة، لكنها لا تفسر وحدها هذه الهالة العاطفية والرمزية التي أحاطت به. الجواب الأدق في رأيي أن الأردنيين حُرموا لعقود من حق طبيعي؛ حق أن يرى المجتمعأبناءه يصعدون من قلب الدولة، من قلب المؤسسات، ليصبحوا أبطالاً ورموزاً، ويمكنلمختلف شرائح الناس أن تتفق ولو جزئياً على احترامهم.

في الجوار، الأسماء تتعدد: في سوريا، من أديب الشيشكلي إلى شكري القوتلي إلى أكرمالحوراني وسلطان باشا الأطرش.

في فلسطين، أبو اياد إلى خليل الوزير إلى علي حسن سلامة إلى أبو داود إلى ناجيالعلي إلى جورج حبش.

في لبنان، سلسلة من الزعامات والبيوت السياسية، من الجميّل إلى فرنجية إلى كمالجنبلاط إلى رشيد كرامي، اتفقنا أو اختلفنا معها، لكنّها احتلّت حيزاً في المخيلة العامة.

في مصر والعراق، أسماء لا تنتهي لرجال دولة وقادة سياسيين وعسكريين أصبحوا، شاءالناس أم أبوا، جزءاً من السردية الوطنية. في الأردن، تبدو الصورة مختلفة: أبطالنا الكبارجرى حصرهم في بدايات التكوين، في قصص الثورة العربية الكبرى وبدايات الإمارةوالدولة، ثم أُغلق الباب بهدوء. أصبح شبه ممنوع أن يتكون بطل جديد يحظى بثقةالناس واحترامهم، وأن تنمو زعامة شعبية قوية من داخل مؤسسات القرار نفسها.

في هذا الفراغ، ظهر (وصفي التل) كمن أفلت من المقص. تعرفه الناس، تسمع لغتهالقريبة منهم، ترى سلوكه اليومي، تلمس تناقضه مع نموذج “الرجل المتخم بالثروةوالامتيازات”. بدا كأنه آخر فرصة متأخرة لبطل من لحم ودم، يعمل من موقعه الرسمي،ولا يتبرأ من الدولة، ولا يتبرأ من الناس. لهذا تمسك الأردنيون به. ليس لأنه ملاك بلاخطيئة، بل لأن السياسات حرمتهم من أبطال حقيقيين، فاضطروا أن يتشبثوا بآخر مناستطاعوا رؤيته على أنه “بطل”.

أن نرفض تأليه وصفي لا يعني أن نساوي بينه وبين غيره، ولا أن نمحو أثره من تاريخناالسياسي. على العكس، هو مدخل ضروري لكي نفهمه جيداً. وصفي التل كان جزءاً منحقبة صعبة ودموية في تاريخ الأردن والمنطقة. كان في موقع القرار عندما انفجرتالتناقضات الأردنيةالفلسطينية، وكانت له خيارات سياسية ما تزال محل جدل حتىاليوم. من حق من عانى من تلك المرحلة أن يرى فيه خصماً، ومن حق الأردنيين أن يروافيه رجل دولة حاولكما فهمأن يحمي بلداً مهدداً من الداخل والخارج. بين هاتينالسرديتين، لا نحتاج إلى صنم جديد، بل إلى قراءة هادئة؛ لا تمحو تضحياته، ولا تمحومسؤولياته، لكنها تفسر لماذا بقي هو في الذاكرة، بينما سقط معظم من عاصروه منسجل الوجدان العام.

المشكلة ليست في أن نحب وصفي أو نختلف معه، بل في أن يتحول هذا الحب أو هذاالخلاف إلى حائط يمنعنا من رؤية الصورة الأوسع: منظومة وقرار أدمنت منع ظهور“أوصاف” آخرين بعده، وفضلت أن تبقى البطولة معلقة في الماضي، لا ماثلة فيالحاضر.

في الأردن اليوم كما في كل بلد يوجد حتماً رجال ونساء يملكون ما يؤهّلهم لأن يكونواأبطالاً حقيقيين؛ ضباط نظيفون، قضاة شجعان، موظفون ومسؤولون يرفضون الفساد،اقتصاديون يملكون رؤية، سياسيون يمتلكون شجاعة الكلمة، ومعلمون وأطباءومهندسون يقدمون نموذجاً مختلفاً عن السائد. لكن أين هم في المشهد العام؟

غالباً في الصفوف الخلفية .. يُمنع عنهم الضوء، أو يُختزل حضورهم في مساحاتضيقة، أو يُدفعون إلى الصمت أو الهجرة.

في المقابل، تُفتح الشاشات والمنابر ومواقع القرار أمام نمط مختلف: زعامات كرتونية،نجوم صناعة إعلامية، وجوه تبني حضورها على الصخب لا على الإنجاز، وعلى الولاءالأعمى لا على الكفاءة.

كأن اغتيال وصفي لم يكن فقط نهاية رجل، بل بداية سياسة غير معلنة تقول:

“لا نريد أبطالاً حقيقيين بعد اليوم”

نريد موظفين كباراً، لا رجال دولة كباراً. نريد وجوهاً قابلة للاستبدال بسهولة، لا زعاماتيلتف الناس حولها. نريد أسماء تخضع بلا نقاش، لا شخصيات قادرة على قول “لا”عندما يجب أن تُقال. الإعلام والمال ومراكز النفوذ تتعاون اليوم بدرجات متفاوتة علىصناعة “أبطال وهميين”؛ مؤثرون بلا مضمون، نواب بلا دور حقيقي، مسؤولون بلا رؤية،نخب تحترف الكلام ولا تدفع أثماناً حقيقية لأي موقف.

في ذكرى اغتيال وصفي التل، لا يكفي أن نضع الورود على قبره، ولا أن نرفع صوره علىوسائل التواصل، ولا أن نردد الجملة المعهودة: “رحم الله وصفي التل”. السؤال الأهمهو:

هل نقبل أن يبقى وصفي آخر بطل مسموح به في الأردن؟ وهل نرضى أن يُختزل تاريخناالسياسي في مجموعة صور قديمة لرجال رحلوا، بينما يُمنع على الحاضر أن ينتج رجالهالكبار؟ ومن المستفيد من أن يتحول الأردن إلى بلد يخلو من الأبطال الحقيقيين،ويفيض بالنجوم الصغار؟

أن نحترم وصفي يعني أولاً أن نصر على استعادة حقنا في البطولة؛ أن نطالب بدولةومنظومة قرار تسمح بظهور رجال دولة ونساء دولة، يُحاسبون بلا خوف، ويُكرمون بلانفاق، ويُنسَون أو يُخلدون وفق ما قدموا، لا وفق ما تسمح به حسابات الظل. وصفيالتل ليس رمزاً لماض نفخر به فقط؛ هو أيضاً مرآة قاسية تضع أمامنا سؤالاً لا مهربمنه:

هل مشكلتنا أننا فقدنا أبطالنا؟ أم أننا نعيش في منظومة لا تريد لأبطال جدد أن يولدواأصلاً؟

قد يعجبك ايضا