الأردن ومستقبل المنطقة.. دولة عازلة أم دولة توازن؟
راكان السعايدة
لم يعد السؤال عن مستقبل الشرق الأوسط متصلاً بمن ينتصر في حروبه، ولا بمن يملك قوة عسكرية حاسمة، وإنما يتعلق بشكل المنطقة التي ستنشأ بعد اجتياز المرحلة الراهنة، ومن سيكون قادراً على التأثير في هندستها وتشكيل توازناتها؟
الشرق الأوسط الذي اعتدناه خلال العقود الماضية وخبِرنا تفاصيل تحولاته وتبدل أوزان دوله، يتغير، وبصورة أسرع مما كنا نتخيل.
ورغم ذلك التحول ما تزال أميركا، إلى الآن، القوة الأكثر تأثيراً، تحت بصر الصين وروسيا.. و”إسرائيل” ما تزال قوة عسكرية رئيسية، وإن كانت آخذة بالتآكل عسكرياً وسياسياً واجتماعياً واقتصادياً.. وإيران لم تخرج من معادلة الإقليم بل باتت في صلبه رغم ما تعرضت له.. والسعودية وتركيا تتقدمان بصورة لافتة، وتريدان التأثير في صياغة النظام الإقليمي وتثبيت مصالحهما في بنيته.
وربما هذا ما يجعل الحلف الدفاعي السعودي التركي الباكستاني، ليس تفصيلاً هامشياً أو عابراً، حتى لو كان من المبكر التعامل معه باعتباره تحولاً مكتملاً في طبيعة التحالفات الإقليمية، نظراً لغياب تفاصيله، لكنه، في أقل تقدير، يعكس اتجاهاً جلياً وواضحاً يسعى إلى تنويع مصادر القوة والأمن، وعدم ترك المنطقة رهينة لترتيب أمنيٍّ واحدٍ قد يصمم بعيداً عنهما وممكن على حسابهما.
بمعنى أن الدولتين، وحتى إيران و”إسرائيل”، ويفترض مصر، كلها دول تريد أن تكون لها تأثيراتها في صياغة النظام الإقليمي وترتيباته الأمنية لتمنع التجاوز والقفز عن مصالحها.
أين الأردن في كل ذلك..؟
هنا، وهنا تحديداً يصبح الأردن أمام سؤال مختلف وأكثر أهمية من كل الأسئلة التقليدية التي شغلتنا طوال سنوات ماضية:
هل يبقى الأردن “دولة عازلة” بين الأزمات والمشاريع الإقليمية المتنافسة شديدة الفعالية، أم يتحول إلى “دولة توازن”، بمعنى دولة لها مصالحها ورؤيتها التي تلزمها لتلعب دوراً في صياغة ترتيبات الإقليم الجديدة؟.
إن جغرافية الأردن، لطالما، كنت مصدر قوة وقلق في آن، فهو في قلب منطقة عالية الحساسية وبالغة التعقيد، بين فلسطين و”إسرائيل” غرباً، وسوريا شمالاً، والعراق شرقاً، والسعودية جنوباً.
لهذا، يمكن أن نفهم لماذا وكيف اكتسب الأردن أهميته الاستثنائية في حسابات الأمن الإقليمي، وأصبح استقراره مصلحة وضرورة لكثير من القوى والدول، إقليمياً ودولياً.
غير أن هذه المكانة، بالضرورة، جعلته، في أحيان كثيرة، يؤدي وظيفة الدولة العازلة؛ أي دولة تمنع انتقال أزمات الآخرين وصراعاتهم إليها وعبرها، لذلك تبدو أغلب الوقت مشغولة في التعامل مع نتائج الصراعات المحيطة بها أكثر من أي أمر آخر.
لكن، في الشرق الأوسط الخاضع الآن لعملية إعادة تشكيل، هذه الوظيفة، مهما كانت أهميتها، قد لا تكون كافية إطلاقاً..
فالخطر الأكبر على الأردن، في تقديري، ليس بالضرورة حربًا مباشرة مع إسرائيل (ما لم يحدث أمر كبير يؤدي إليها)، وإنما ما يمكن أن يحدث في الضفة الغربية والمقدسات، وما قد يترتب على استمرار تغيير واقعها السياسي والديموغرافي والجغرافي، ونسف تفاهمات أوسلو.
فشطب إمكانية قيام دولة فلسطينية ذات سيادة وقابلة للحياة، واستمرار الاستيطان وتوسعه بشكل متسارع وجنوني، لا يمثل فقط مشكلة فلسطينية، وإنما يتحول، مع الوقت، إلى مسألة أردنية بامتياز.
فالضفة الغربية، وما تفعله “إسرائيل” ويمينها المتطرف الحاكم هناك لا يمكن عزله عن أمن الأردن واستقراره وحدوده ومصالحه، لذا، فإن التعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها ملفاً خارجياً ليس ممكناً، بل غير مقبول إطلاقاً.
وبلغة شديدة الوضوح، مستقبل الضفة الغربية، بكل ما للكلمة من معنى، جزء أساسي من الأمن الوطني الأردني، ومستقبل القدس ومقدساتها كذلك.
وكما قلنا، السيناريو الأكثر خطورة ليس أن تدخل “إسرائيل” في مواجهة مع الأردن، وإن كانت فرضية ذلك تبقى ممكنة، وإنما أن تتغير الضفة الغربية تدريجياً على نحو يصبح معه الأردن أمام نتائج أمر واقع لم يشارك في صنعه، ثم يجد نفسه مضطراً للتعامل مع تداعياته السياسية والأمنية والاقتصادية والديموغرافية.
وماذا أيضاً..؟
صحيح ان التحولات في الضفة الغربية هي الأهم والأخطر بالنسبة للأردن، لكن أيضاً هناك جوانب لها أهميته ومغزاها في المنطقة لا يمكن إغفالها؛ السعودية تعيد تعريف موقعها في النظام الإقليمي، وتركيا تسعى إلى توسيع نفوذها ودورها، ودول الخليج عموماً لم تعد تنظر إلى الأمن بالطريقة نفسها التي كانت تنظر بها إليه من قبل بعدما تبين لها، بالبرهان، أن أمنها بات في حالة انكشاف.
هنا يصبح من الحاجات الملحة أن نسأل: هل يمكن للأردن أن يرى في التحولات الجارية فرصة، لا مجرد مصدر قلق..؟
ربما، إذ ببساطة، ذات الموقع الجغرافي الذي جعل الأردن دولة عازلة يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة كبير إذا أُحسن استخدامه وتوظيفه عبر مقاربة إبداعية وخلاقة.
فالأردن، يملك بحكم موقعه وعلاقاته القدرة على أن يكون نقطة اتصال بين الخليج وسوريا ولبنان والعراق وتركيا، وأن يصبح جزءاً، بل مفصلاً مهماً في ترتيبات إقليمية اقتصادية وأمنية أوسع.
هذا يحتاج، عملياً، إلى الانتقال من التعامل مع الجغرافيا باعتبارها قدراً إلى التعامل معها باعتبارها أداة سياسية واقتصادية واستراتيجية عالية الأهمية والقيمة، أي من كونها قدراً إلى فرصة.
ففي هكذا حال، يظهر الفارق بين “الدولة العازلة” و”دولة التوازن”، الدولة العازلة تحاول أن تمنع أزمات الآخرين من طرق بابها أو عبورها، في حين دولة التوازن تنخرط وتتفاعل مع التحولات وأطرافها لفرض شروط استقرارها ومصالحها بوصفها جزءاً من المعادلة التي يتعين على الآخرين أخذها في الاعتبار، وممنوع عليهم أن يتجاهلوها.
في العموم، نعلم وبواقعية، أن الأردن لا يستطيع أن يصبح قوة عسكرية كبرى، ولا يحتاج إلى ذلك أصلاً، لكنه يستطيع أن يصبح دولة يصعب تجاوز أهميتها ومصالحها، مع ما يتطلبه هذا، قبل كل شيء، أولاً: تعريفاً واضحاً لا لبس فيه ولا التباس للمصلحة الوطنية الأردنية، وبالضرورة، ثانياً: إعادة بناء أدوات القوة الداخلية التي تسمح للدولة بهامش أكبر من الحركة والمناورة.
ما أريد قوله، أن الأمن القومي لم يعد حدوداً وجيشاً فقط، فهو كذلك اقتصاد قادر، وأمن مائي وطاقوي، وتماسك داخلي، وثقة بين الدولة والمجتمع، وعلاقات عربية وإقليمية متوازنة، وقدرة على تنويع الشراكات الدولية بدون الارتهان لأي طرف.
وهذا، مرة أخرى، يستدعي شرطاً مهماً؛ أن نعرف في الأردن ماذا نريد من الشرق الأوسط الجديد، لا أن ننتظر فقط معرفة ماذا يريد الآخرون منه ومنا.
فإذا بقي دورنا محصوراً في المحافظة على الاستقرار والأمن ومنع انتقال أزمات الجوار، فسيظل الأردن مهماً، لكنه سيبقى في النهاية يتعامل مع توازنات يصنعها الآخرون، مع كل ما تجلبه من أكلاف متعددة الأشكال والأنواع.
لكن، حال استطاع بناء شبكة علاقات أوسع مع السعودية وتركيا ومصر والعراق ودول الخليج، مع الحفاظ على علاقته الاستراتيجية مع أميركا، وتوسيعها مع الصين وروسيا وتقويتها مع أوروبا، وتمسكه بمصالحه في القضية الفلسطينية والقدس، فإنه يستطيع أن ينتقل من موقع الدولة التي تتلقى نتائج التحولات إلى موقع الدولة التي تؤثر فيها..
المعنى ان هناك أسباب كافية للانتقال من حالة الانتظار والاكتفاء برد الفعل إلى انتهاج سياسة الفاعلية المبادرة.
هذا هو التحدي الحقيقي، فالشرق الأوسط المقبل لن يكون، على الأرجح، شرقَ أوسطٍ تهيمن عليه قوة واحدة، سيكون أكثر تعدداً وتنافساً، وستزداد فيه أهمية الدول التي تستطيع أن تتعامل مع أكثر من محور، بدون أن تتحول إلى تابع لأي محور.
الأردن يمتلك فرصة، لكنها ليست مضمونة، فالأردن لا يستطيع تغيير جغرافيته، لكنه يستطيع تغيير وظيفة هذه الجغرافيا.
في النهاية، إما أن يبقى الأردن دولة عازلة تحاول حماية نفسها من حرائق المنطقة، أو يتحول إلى دولة توازن تعرف مصالحها، وتبني أدواتها، وتستخدم موقعها وعلاقاتها واستقرارها لتكون جزءاً من صناعة التوازنات الجديدة وشريكاً محورياً في صياغة نظام الإقليم.
إن الفارق بين الخيارين ليس في الجغرافيا، وإنما في الرؤية التي تملكها الدولة لمصالحها، وقدرتها على تحويل هذه الرؤية إلى سياسة وقرارات.