أغوار الأردن.. سلة الغذاء بين الاستثمار والأمن الغذائي وحماية الأرض
المهندسة: ميسون الزعبي
تحتل الأغوار الأردنية مكانة استثنائية في منظومة الأمن الغذائي الوطني، فهي ليست مجرد منطقة زراعية تنتج الخضروات والفواكه، وإنما تمثل إحدى أهم ركائز الإنتاج الزراعي المحلي، ومصدراً مهماً للتصدير، فضلاً عن دورها في توفير فرص العمل وتحريك عجلة الاقتصاد في مناطق واسعة من المملكة.
وما يمنح الأغوار هذه الأهمية هو موقعها ومناخها الدافئ شتاءً، الذي يتيح إنتاج محاصيل زراعية في الوقت الذي تتراجع فيه الزراعة في مناطق أخرى بسبب انخفاض درجات الحرارة والصقيع. ولذلك فإن الأغوار تؤدي دوراً حيوياً في توفير إمدادات السوق المحلي خلال أشهر الشتاء، وتمنح الأردن قدرة إضافية على تصدير المنتجات الزراعية إلى الأسواق الخارجية.
ومن هنا، فإن الحديث عن الأغوار لا ينبغي أن يبقى محصوراً في حدود القطاع الزراعي أو مصالح المزارعين، لأن مستقبل هذه المنطقة يرتبط بصورة مباشرة بالأمن الغذائي والاقتصادي والاجتماعي للأردن. فكل دونم من الأرض الزراعية المنتجة يمثل قدرة إنتاجية يمكن أن تسهم في توفير الغذاء وتقليل فاتورة الاستيراد ورفع الصادرات، بينما خسارة هذه الأراضي تعني فقدان جزء من هذه القدرة التي قد يكون من الصعب تعويضها في ظل محدودية الأراضي والمياه.
وتزداد أهمية حماية هذه الأراضي في ظل ما يواجهه الأردن من شح المياه، والتغير المناخي، وارتفاع درجات الحرارة، وزيادة كلف الإنتاج الزراعي. وفي مثل هذه الظروف، تصبح الأراضي الزراعية ذات القيمة الإنتاجية والمناخية المتميزة أصلاً استراتيجياً لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد عقار قابل لتغيير الاستخدام.
عندما تتعارض الأرض الزراعية مع الاستثمار.. يجب أن تتكامل الأولويات
لا أحد يعارض الاستثمار، بل إن الأردن بحاجة ماسة إلى استثمارات منتجة في القطاعات الصناعية والتعدينية واللوجستية والسياحية والزراعية، قادرة على خلق فرص العمل وزيادة النمو الاقتصادي وتعزيز الصادرات.
لكن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرح أمام صانع القرار هو: أي استثمار نريد؟ وأين نقيمه؟ وما التكلفة الحقيقية لإقامته على الأرض والمياه والأمن الغذائي؟
المشكلة تبدأ عندما ينظر إلى الأرض الزراعية المنتجة باعتبارها مجرد عقار يمكن تغيير استخدامه وفقاً للجدوى الاقتصادية للمشروع المقام عليها. فالقيمة الحقيقية للأرض الزراعية لا تقاس فقط بسعرها في السوق، وإنما بقيمتها الإنتاجية والغذائية والمائية والبيئية، وبقدرتها على توفير الغذاء والعمل والدخل لسنوات طويلة.
وبالتالي، فإن جذب الاستثمار لا ينبغي أن يأتي على حساب الأراضي الزراعية المنتجة، كما أن حماية الزراعة لا تعني إغلاق الباب أمام الاستثمار. المطلوب هو بناء معادلة متوازنة تجعل الاستثمار وسيلة لحماية القطاع الزراعي وتطويره، لا سبباً في تقليص مساحته.
الأمن الغذائي يبدأ من حماية الأرض
إن حماية الرقعة الزراعية في الأغوار ليست قضية تخص المزارعين وحدهم، وليست ملفاً عقارياً أو تنظيمياً فحسب، بل هي قضية أمن غذائي واقتصادي ووطني.
ولهذا تبرز الحاجة إلى تصنيف الأراضي الزراعية ذات القيمة الاستراتيجية، ووضع ضوابط أكثر صرامة أمام تغيير استخداماتها، بحيث لا تتحول الأرض المنتجة للغذاء إلى استخدامات أخرى لمجرد ارتفاع قيمتها العقارية.
كما ينبغي أن يخضع أي قرار باستعمال الأراضي الزراعية، سواء من خلال الاستملاك أو التوسع الصناعي أو التعديني أو غيره، لدراسة شاملة لا تقتصر على القيمة المالية للأرض، وإنما تحتسب أيضاً قيمتها الغذائية والإنتاجية والاستراتيجية والبيئية، وتقيّم أثر المشروع على الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي.
فإذا كان تنفيذ مشروع وطني أو استراتيجي يستوجب فقدان جزء من الأراضي الزراعية، فإن التعويض المالي لأصحاب الأراضي يجب ألا يكون نهاية المطاف، بل ينبغي أن يترافق مع رؤية واضحة لتعويض القدرة الإنتاجية التي ستفقدها المملكة.
ماذا بعد استملاك الأراضي الزراعية؟
إذا كان الاستملاك أمراً لا يمكن تجنبه في بعض المشاريع الوطنية، فإن المطلوب هو وضع سياسة واضحة لتعويض الفاقد الزراعي.
ويمكن للحكومة أن تتبنى برنامجاً وطنياً لتجهيز واستصلاح أراضٍ زراعية بديلة، وتزويدها بالمياه وشبكات الري والكهرباء والطرق والخدمات الزراعية ومراكز التجميع والتسويق، بحيث لا تكون خسارة الأرض الزراعية المنتجة سبباً في تراجع الإنتاج المحلي.
وهذه الفكرة لا تعني مجرد استبدال قطعة أرض بأخرى على الورق، وإنما تعني تعويض القدرة الإنتاجية الفعلية التي فقدها القطاع الزراعي.
كما يمكن أن تتحول الأراضي البديلة إلى فرصة استثمارية من خلال طرحها أمام القطاع الخاص بنظام حق الانتفاع أو العقود طويلة الأجل أو نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، مع بقاء ملكية الأرض للدولة.
وهذه المعادلة تحقق أكثر من هدف في الوقت نفسه: تحافظ على ملكية الدولة للأرض، وتستقطب رأس المال والخبرة والتكنولوجيا، وتخلق فرص عمل، وتزيد الإنتاج، وتدعم الأمن الغذائي.
الأراضي الحكومية الحدودية.. فرصة استثمارية وأمن غذائي
ومن الأفكار التي تستحق دراسة جادة استثمار الأراضي الزراعية الحكومية القابلة للاستغلال، خصوصاً في المناطق الحدودية، من خلال عقود تشغيل واستثمار طويلة الأجل مع شركات ومؤسسات متخصصة.
وبدلاً من بيع هذه الأراضي أو نقل ملكيتها، يمكن للدولة الاحتفاظ بالملكية الكاملة، بينما يتولى المستثمر عمليات التطوير والإنتاج وفق شروط واضحة تحدد نوعية المحاصيل المستهدفة، وكفاءة استخدام المياه، وحجم الإنتاج، وآليات التسويق والتصدير.
ويمكن إعطاء الأولوية للمحاصيل الاستراتيجية مثل القمح والشعير والأعلاف، إلى جانب المحاصيل التي يمكن أن تشكل قاعدة للصناعات الغذائية أو تحقق قيمة تصديرية.
لكن نجاح هذا النموذج يتطلب دراسة مصادر المياه، وتأمين البنية التحتية، ومعالجة التحديات الأمنية واللوجستية، ووضع عقود واضحة تحمي حقوق الدولة والمستثمر والمجتمع المحلي في الوقت ذاته.
المياه.. خط أحمر
لا يمكن الحديث عن مستقبل الزراعة في الأردن دون الحديث عن المياه. فالأردن من أكثر دول العالم شحاً بالمياه، ولذلك لا يمكن أن تقوم السياسة الزراعية على التوسع في المساحات المزروعة دون حساب القدرة المائية على الاستمرار.
إن زيادة المساحات المزروعة دون إدارة مستدامة للمياه قد تبدو إنجازاً على المدى القصير، لكنها قد تتحول إلى مشكلة أكبر على المدى البعيد.
ولهذا يجب الانتقال إلى مفهوم الزراعة الذكية مناخياً، من خلال التوسع في أنظمة الري الحديثة، وتحسين كفاءة استخدام المياه، واستخدام تقنيات الاستشعار والتحكم الذكي في الري، واختيار المحاصيل وفقاً لقدرتها على تحمل الظروف المناخية واستهلاكها المائي، إلى جانب التوسع المدروس في استخدام المياه المعالجة ومصادر المياه غير التقليدية حيثما كان ذلك آمناً ومناسباً.
فالأولوية ليست فقط لزيادة الإنتاج، وإنما لزيادة الإنتاجية لكل وحدة من الأرض والمياه والطاقة.
الزراعة والطاقة.. إنتاج الغذاء والطاقة معاً
يمكن للطاقة المتجددة أن تلعب دوراً مهماً في تخفيض كلفة الإنتاج الزراعي، خصوصاً من خلال استخدام أنظمة الطاقة الشمسية لتشغيل مضخات المياه وأنظمة الري والتبريد والتخزين والتصنيع الزراعي.
كما يمكن، في المواقع المناسبة وبعد إجراء الدراسات الفنية اللازمة، تطبيق نماذج الزراعة الكهروضوئية التي تجمع بين إنتاج الغذاء والطاقة في المساحة نفسها.
وفي بعض المحاصيل، يمكن أن يوفر التظليل الجزئي الناتج عن الألواح الشمسية حماية من الحرارة الشديدة وتقليلاً لتبخر مياه الري، لكن هذا النموذج يجب أن يخضع لدراسات دقيقة تحدد المواقع والمحاصيل والتصميمات المناسبة، حتى لا تتحول الطاقة المتجددة إلى منافس للأرض الزراعية أو تقلل من قدرتها الإنتاجية.
السكك الحديدية.. فرصة يجب ألا تضيع
ولا يمكن الحديث عن مستقبل الأغوار دون التوقف عند النقل واللوجستيات.
فالمنتج الزراعي سريع التلف، وأي تأخير أو ارتفاع في كلفة نقله ينعكس مباشرة على المزارع والمستهلك والمصدر. وإذا كانت هناك خطوط سكك حديدية أو مشاريع نقل بالسكك بالقرب من مناطق الإنتاج أو المصانع الغذائية، فإن ذلك يمكن أن يتحول إلى ميزة اقتصادية مهمة.
فالسكك الحديدية قادرة على نقل كميات كبيرة من المنتجات لمسافات طويلة بكفاءة، وربط مناطق الإنتاج بمراكز الاستهلاك والموانئ والمنافذ الحدودية، وتخفيف الضغط عن الطرق وتقليل كلف النقل.
لكن الاستفادة الحقيقية منها تتطلب منظومة لوجستية متكاملة تشمل مراكز تجميع وفرز وتعبئة، ومستودعات وسلاسل تبريد، ونقاط تحميل وتفريغ مرتبطة بالمزارع والمصانع.
وهنا يمكن أن تتحول المنطقة الزراعية من مجرد منطقة إنتاج إلى مركز زراعي وصناعي ولوجستي متكامل.
من تصدير الخضار إلى تصدير القيمة المضافة
من أكبر التحديات التي تواجه القطاع الزراعي أن جزءاً مهماً من المنتجات يخرج من المزرعة بصورته الأولية.
لكن المستقبل يتطلب الانتقال تدريجياً من تصدير المنتج الخام إلى تصدير القيمة المضافة.
فالفائض من الخضروات والفواكه يمكن أن يدخل في صناعات التعليب والتجفيف والتجميد والعصائر والصلصات وغيرها من الصناعات التي تضيف قيمة اقتصادية، وتوفر فرص عمل، وتقلل الهدر، وترفع قدرة المنتج الأردني على المنافسة.
ولهذا يجب أن يكون إنشاء مصانع التعبئة والتدريج والتبريد والتصنيع بالقرب من مناطق الإنتاج جزءاً أساسياً من أي استراتيجية للاستثمار الزراعي.
فكل طن من المنتج الزراعي يدخل في صناعة غذائية يمكن أن يحقق قيمة اقتصادية أكبر من بيعه كمادة خام، ويخلق فرصاً إضافية للعمل والاستثمار والتصدير.
الزراعة ليست الأرض وحدها.. إنها منظومة متكاملة
أي خطة مستقبلية للقطاع الزراعي لن تنجح إذا تعاملت مع الأرض بمعزل عن المياه والطاقة والنقل والتصنيع والتسويق.
فالمزارع يحتاج إلى الماء، والماء يحتاج إلى الطاقة، والمنتج يحتاج إلى التخزين والتبريد والنقل، والأسواق تحتاج إلى منتجات ذات قيمة مضافة قادرة على المنافسة.
ومن هنا تبرز أهمية بناء منظومة متكاملة تربط المياه والطاقة والزراعة والصناعة والنقل والبيئة في إطار واحد.
وفي هذه المنظومة لا ينبغي أن يكون المستثمر منافساً للمزارع أو سبباً في فقدان الأرض الزراعية، بل يمكن أن يصبح شريكاً في تطويرها من خلال الاستثمار في التكنولوجيا الزراعية، ومراكز التخزين والتبريد، والصناعات الغذائية، والطاقة المتجددة، والنقل، وسلاسل التوريد.
المطلوب من الحكومة.. استراتيجية لا قرارات منفردة
إن المرحلة المقبلة تتطلب وضع استراتيجية وطنية واضحة للأغوار والأراضي الزراعية الاستراتيجية، بحيث تتعامل مع الزراعة باعتبارها جزءاً من منظومة الأمن الوطني والاقتصادي.
ويمكن أن تقوم هذه الاستراتيجية على مجموعة من المحاور المترابطة التي تسهم في حماية الأراضي الزراعية وتعزيز دورها في تحقيق الأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية. ويأتي في مقدمة هذه المحاور تحديد وتصنيف الأراضي الزراعية ذات القيمة الاستراتيجية، والعمل على الحد من تغيير استخداماتها إلا في حالات الضرورة القصوى، بما يضمن الحفاظ على قاعدة الإنتاج الزراعي ومنع التوسع العمراني أو الاستثماري غير المنضبط على حساب الأراضي المنتجة.
كما ينبغي اعتماد تقييم للأثر الغذائي قبل تنفيذ أي عملية استملاك أو إقامة مشروع كبير يمكن أن يؤثر في الأراضي الزراعية المنتجة، بحيث تصبح الانعكاسات المحتملة للمشروعات على الإنتاج المحلي والأمن الغذائي جزءاً أساسياً من عملية صنع القرار، إلى جانب المعايير الاقتصادية والاجتماعية والبيئية المعتادة. وفي الحالات التي تفرض فيها المشاريع الوطنية فقدان جزء من الأراضي الزراعية، ينبغي العمل على تعويض هذا الفاقد من خلال تجهيز أراضٍ بديلة وتوفير مصادر المياه والبنية التحتية والخدمات اللازمة لتمكينها من الدخول في دائرة الإنتاج بكفاءة.
ومن جهة أخرى، يمكن تعزيز استثمار الأراضي الحكومية القابلة للاستغلال من خلال عقود حق الانتفاع أو الشراكات طويلة الأجل، بما يتيح استقطاب الاستثمارات والخبرات الخاصة مع الحفاظ في الوقت نفسه على ملكية الدولة للأرض وضمان توجيه استخدامها نحو أهداف إنتاجية وتنموية واضحة. كما ينبغي ربط الاستثمار الزراعي بالصناعات الغذائية والأنشطة التصنيعية المرتبطة به، بدلاً من الاقتصار على إنتاج المحاصيل وبيعها بصورتها الخام، لما يتيحه ذلك من زيادة القيمة المضافة، ورفع القدرة التنافسية للمنتجات، وخلق فرص عمل جديدة، وتنشيط سلاسل القيمة الزراعية.
ويتطلب دعم القطاع الزراعي كذلك تطوير مراكز التخزين والتبريد والتجميع بالقرب من مناطق الإنتاج، بما يسهم في الحد من الفاقد بعد الحصاد، وتحسين كفاءة عمليات النقل والتسويق، وتعزيز قدرة المنتجين على الوصول إلى الأسواق في الوقت المناسب. ويمكن في هذا الإطار ربط المشروعات الزراعية بشبكات النقل والسكك الحديدية حيثما كان ذلك ممكناً ومجدياً اقتصادياً، بما يسهل نقل المنتجات إلى الأسواق المحلية ومراكز التصنيع والمنافذ الحدودية، ويخفض تكاليف النقل ويزيد من كفاءة سلاسل الإمداد الزراعية.
وفي مجال الطاقة، تبرز أهمية التوسع في استخدام الطاقة الشمسية لتلبية احتياجات الري والتبريد والتصنيع الزراعي، مع تشجيع النماذج التي تتيح الجمع بين إنتاج الغذاء والطاقة بطريقة متوازنة لا تؤدي إلى الإضرار بالأراضي الزراعية أو تقليص قدرتها الإنتاجية. وفي الوقت نفسه، ينبغي إعادة توجيه الحوافز والتسهيلات الاستثمارية نحو المشاريع التي تحقق أهدافاً واضحة في مجال الأمن الغذائي والإنتاج الزراعي، بدلاً من تركيزها بصورة أساسية على المشاريع التي تحقق عوائد عقارية مرتفعة دون مردود إنتاجي أو تنموي مماثل.
وتكتمل هذه المنظومة من خلال إشراك المزارعين والمجتمعات المحلية في صياغة وتنفيذ المشاريع التي تمس أراضيهم ومصادر معيشتهم، بما يعزز المشاركة والثقة والقبول المجتمعي، ويضمن أن تتوافق المشروعات مع الاحتياجات المحلية والأولويات الوطنية. وبهذا النهج المتكامل، تتحول حماية الأراضي الزراعية من مجرد إجراء تنظيمي إلى جزء من استراتيجية أوسع تربط بين التخطيط العمراني والتنمية الاقتصادية والسياسة الزراعية والأمن الغذائي والاستدامة البيئية.
رسالة إلى المستثمرين
وفي المقابل، فإن القطاع الخاص أمام فرصة حقيقية لبناء نموذج جديد للاستثمار الزراعي.
فالاستثمار الزراعي الحديث لم يعد مجرد زراعة أرض، بل أصبح منظومة تشمل التكنولوجيا والمياه والطاقة والتخزين والتصنيع والنقل والتصدير.
والمستثمر الذي يدخل هذا القطاع برؤية طويلة الأمد يمكنه أن يبني مشروعاً متكاملاً يبدأ من الأرض وينتهي بالمنتج النهائي والأسواق الخارجية.
ومن جانبها، تستطيع الدولة أن تجعل هذا النوع من الاستثمار أكثر جاذبية من خلال الحوافز الضريبية والتمويلية، وتسهيل الإجراءات، وتوفير البنية التحتية، مقابل التزام المستثمر بمؤشرات واضحة للإنتاج والتشغيل وكفاءة استخدام المياه وحماية البيئة.
وبذلك يصبح المستثمر شريكاً في حماية الأرض وتطوير الإنتاج، لا عاملاً في تقليص الرقعة الزراعية.
الأغوار ليست مجرد مساحة جغرافية
الأغوار الأردنية ليست مجرد مجموعة من الأراضي الزراعية الممتدة على الخريطة، وليست مجرد مساحة قابلة للاستثمار أو التغيير في الاستخدام.
إنها جزء من منظومة الأمن الغذائي والاقتصاد المحلي وفرص العمل والتصدير والاستقرار الاجتماعي، وأصل استراتيجي يمكن أن يشكل قاعدة لاقتصاد زراعي وصناعي ولوجستي أكثر تطوراً.
ولهذا فإن الحفاظ عليها لا يعني رفض التنمية أو الاستثمار، بل يعني إعادة تعريف التنمية نفسها.
التنمية الحقيقية هي أن نحافظ على الأرض المنتجة، ونستخدم المياه بكفاءة، ونستثمر التكنولوجيا والطاقة النظيفة، ونشجع رأس المال الخاص، ونبني الصناعات الغذائية، ونطور النقل وسلاسل التبريد، ونفتح الأسواق أمام المنتج الأردني.
إن الأردن بحاجة إلى الاستثمار، لكنه بحاجة أيضاً إلى أن يعرف أين يستثمر، وكيف يستثمر، وماذا يحمي أثناء الاستثمار.