اللجنة الوطنية للمياه العابرة للحدود في سياق السياسة الخارجية و”السلام الأزرق”
كتبت– ريم الرواشدة
يشير إطلاق مشروع اللجنة الوطنية الدائمة للتفاوض حول المياه العابرة للحدود إلىتحول نوعي في مقاربة الأردن لملف المياه، من كونه تحدياً تنموياً ضاغطاً إلى اعتبارهأداة استراتيجية ضمن أدوات السياسة الخارجية وإدارة الأمن الوطني.
وفي منطقة تتزايد فيها الضغوط المرتبطة بندرة المياه والتغير المناخي والتحولاتالجيوسياسية، يصبح بناء القدرات التفاوضية المؤسسية جزءاً من إعادة تموضع الدولةفي النظام الإقليمي.
أردنيا، المياه قضية أمن قومي متعدد الأبعاد، إذ أن التحدي لا يقتصر على الندرةالفيزيائية للمياه، بل يمتد إلى تعقيد البيئة التفاوضية الإقليمية المرتبطة بالمواردالمشتركة، ما يجعل من تطوير أدوات تفاوض مؤسسية متخصصة ضرورة استراتيجيةلضمان استقرار الإمدادات المائية وتقليل المخاطر السياسية المرتبطة بها.
ويمثل تأسيس لجنة وطنية دائمة للتفاوض انتقالاً مهماً من الاستجابة الظرفية للأزماتإلى بناء ذاكرة مؤسسية تفاوضية. فالتفاوض حول المياه ليس عملية تقنية فقط، بل هوتفاعل معقد بين القانون الدولي والهيدرولوجيا والاقتصاد السياسي والعلاقات الدولية.
ومن خلال برنامج بناء القدرات الذي يتضمن تدريبات متخصصة وزيارات دراسية دوليةوتطوير سيناريوهات تفاوضية، يمكن للأردن أن يعزز قدرته على صياغة مواقفتفاوضية متماسكة طويلة الأمد، وتوظيف البيانات العلمية في دعم القرارات السياسية،عوضا عن بناء تحالفات إقليمية مرنة حول مشاريع المياه والطاقة.
وهنا تتحول دبلوماسية المياه إلى شكل من أشكال القوة الناعمة التي تعزز حضورالدولة في المنصات الإقليمية والدولية.
وقبل ذلك، الاردن ليس بجديد على دبلوماسية المياه، إذ أنه عضو مؤسس لمبادرة“السلام الأزرق” التي برزت خلال العقدين الماضيين كمفهوم استراتيجي يسعى إلىتحويل المياه من مصدر محتمل للنزاعات إلى منصة للتعاون وبناء الثقة، لتتخذالمبادرة من فرضية أن الإدارة المشتركة للموارد المائية ركيزة أساسية يمكن أن تُعيدتشكيل العلاقات الإقليمية نحو نماذج أكثر تكاملاً واستدامة.
و تأسيس اللجنة الوطنية الدائمة للتفاوض حول المياه العابرة للحدود، أكثر من مجردإصلاح مؤسسي قطاعي؛ فهو خطوة ضمن عملية أوسع لإعادة صياغة أدوات السياسةالخارجية الأردنية في عصر ندرة الموارد. وعند ربطه بمبادرة السلام الأزرق، تتضحإمكانات هذا المشروع في تحويل المياه من تحدٍ وجودي إلى رافعة للاستقرار الإقليميوالتنمية المشتركة وبناء النفوذ الدبلوماسي.
وفي عالم يتجه نحو تسييس متزايد للموارد الطبيعية، قد تصبح دبلوماسية المياهإحدى أهم ساحات التنافس والتعاون الدولي، ما يمنح الدول التي تستثمر مبكراً فيبناء قدراتها التفاوضية موقعاً متقدماً في تشكيل مستقبل الإقليم.
وذلك يعزز دور المملكة في أن تلعب دوراً محوريا في طرح مشاريع تعاون عابرة للحدودمثل التحلية المشتركة أو الربط المائي–الطاقة، تطوير أطر قانونية مرنة لإدارة المخاطرالمناخية، وتعزيز فرص التمويل الدولي للمشاريع الإقليمية، وبذلك يتحول التفاوضمن آلية لتقاسم الموارد إلى آلية لإنتاج المنافع المشتركة.
و أبعد من ذلك، يملك الأردن مقومات تؤهله للعب دور الوسيط أو الجسر فيدبلوماسية المياه الإقليمية، خاصة و أنه يتمتع بخبرة طويلة في إدارة الندرة والتكيفالمؤسسي، وعلاقات دبلوماسية متوازنة نسبياً مع أطراف إقليمية متعددة، وحضورمتزايد في مبادرات التعاون الدولي المرتبطة بالمياه والطاقة.
وإذا ما نجح مشروع اللجنة الوطنية في بناء كفاءات تفاوضية متقدمة، فقد يتمكنالأردن من الانتقال من موقع الدولة المتأثرة بندرة الموارد إلى موقع الدولة المصمِّمةلأطر التعاون الإقليمي.