“عقدة الثمانين” و”الورطة التاريخية” الصهيونية مع شعب لا يقهر
نادية سعدالدين
لن تفلح كثيراً أجواء احتفالات «الاستقلال» الزائفة في تبديد إحساس صهيوني متنام «بالورطة التاريخية» في فلسطين المحتلة، منذ أن لاحت بوادره أثناء عدواني 2000 و2006 على لبنان حتى أضحى عميقا عقب عملية «طوفان الأقصى» (2023)، مصحوبا بهاجس بات معشعشا في الوجدان الصهيوني بقرب نهاية الكيان المُحتل، إحالة «لعقدة الثمانين» وقياسا بتجارب استيطانية مماثلة لاقت نفس المصير، أي الاختفاء.
وفي الظاهر العام؛ تبدو تلك المخاوف مُغايرة إلى حد كبير لتصريحات الساسةالصهاينة التي تضخم من مقدرة كيانهم على إلحاق الهزيمة بأي قوة تقف في طريقهونفاذ مخططاته كاملة والتوسع من «النيل إلى الفرات» أو من «النهر إلى البحر»، إلىغيرها من التُرهات التي يقومون بتصديرها لواجهة المشهدين الداخلي والخارجي كمالو كانت المزاعم حقائق، بهدف إشاعة مناخات الذعر حد الاستكانة لشروطهم التي تنكرالحقوق العربية الفلسطينية وتسعى لإجهاضها.
إلا أن هذه التصريحات التي تعبر عن الثقة الغامرة بالذات تخبئ ثقلا سوداويا عميقابفقدان الاتجاه و»الورطة التاريخية» التي وجد الساسة الصهاينة أنفسهم فيها، حينمااختاروا بدعم غربي استيطان «صهيون» = فلسطين، «أرض السمن والعسل» وفقالرواية التوراتية المزعومة، و»الإحلال» مكان سكانها بعد إبادتهم بسهولة، كما كانوايتخيلون تبعاً لوعود نصوص توراتهم وتلمودهم، وقياساً بخبرات تاريخية تبين أنالجيوب الاستيطانية الإحلالية التي قـدر لها البقاء (مثل أميركا الشمالية وأستراليا)نجحت بعد إبادتها السكان الأصليين فكتب لها الاستمرار والبقاء.
لكنهم بدلاً من ذلك وجدوا أن فلسطين عامرة بشعبها الصامد ومقاومتها الباسلة، وأنالغرب كان يريد توظيفهم من خلال توطينهم في منطقة ذات أهمية استراتيجيةبالنسبة له لخدمة مصالحه، وأنهم قد دخلوا في نفق مسدود بعد قرابة ثمانية عقودعلى نكبة فلسطين لم تنجح خلالها استراتيجية «المحو» ولا أدوات العنف والتنكيلوالقوة المسلحة في كي إرادة الشعب الفلسطيني ودفعه لليأس وقبول الهزيمة، رغمالتفوق العسكري النووي والتكنولوجي الصهيوني، فصراعهم مع العرب والفلسطينيينمستمر بدون توقف منذ بداية الاستيطان عام 1882 حتى اليوم ولا نهاية له في الأفق، أوربما تكون نهايته، وفق الترويج الصهيوني، «شمشونية» مُدمرة للجميع باعتبارهاالنهاية المأساوية المُتوقعة لصراع لن ينتهي.
وقد بات هاجس نهاية الكيان المحتل المُرتبط بثقل «الورطة التاريخية» يتعمق أكثرمع تعدد جبهات المقاومة المُنافحة لعدوانه والتي لم يستطع حسمها أو تصفيةالقضية الفلسطينية عبر «صفقة القرن» و»التطبيع الإقليمي» أو تحقيق الأهداف التيأعلن أنه ينوي تحقيقها بقوة لم تعد عصية على الهزيمة كما كان يدعي.
ويعزز تلك المخاوف تجارب جيوب استيطانية مماثلة (مثل دولة الأبارتهايد في جنوبأفريقيا وفرنسا في الجزائر) التي لاقت مصير الزوال بفعل المقاومة التي جوبهت بهاولعدم تمكنها من إبادة السكان الأصليين، مما أدى إلى تصفيتها وزوالها. ولا يـُستثنىالكيان الصهيوني من هذه القاعدة الإنسانية التاريخية باعتباره جيباً استيطانياً حلولياً،لاسيما مع وجود مؤشرات تدلل على حالة تراجعه. ويعبر هذا الهاجس عن نفسه أحياناًعن طريق دراسات أو مقالات متشائمة تحذر المستوطنين من هذه النهاية الحتمية،تذكيراً بمقاربات استيطانية تؤكد أن الغلبة ليس لمالك السلاح الأحدث بل لأصحابالأرض الأصليين.
في حين تطل «عقدة» أو «لعنة الثمانين» برأسها القاتم في مراجعات مُتأخرةلمؤرخين صهاينة، أمثال «بيني موريس» و»إيلان بابيه»، لدى استحضار التاريخاليهودي القديم حينما لم تصمد الممالك اليهودية لأكثر من ثمانية عقود، وفق تلكالرواية.
هذا القلق يتفاقم مع حالة تآكل بنيوي يطال التماسك الاجتماعي والصراعاتالمتعددة داخل الكيان المُحتل؛ العلماني/ الديني والأشكنازي (الغربي)/ السفاردي(الشرقي) والصراع الطبقي والمنازعات بين الأحزاب المختلفة، وسط تراجع الثقةبالمؤسسة العسكرية الصهيونية، وارتفاع ما يسمى «الهجرة العكسية»، بمغادرة زهاء132 ألفاً خلال عامي 2024 و2025، مما يعكس إدراكا عميقا بأن المستقبل على أرضمستلبة لم يعد مضمونا.
لقد استطاع الشعب الفلسطيني بصموده الأسطوري وصلابة مقاومته تحويل «الورطةالتاريخية» الصهيونية إلى حالة استنزاف دائم مُثقلة بمخاوف قرب الزوال، حيث لا أمنللكيان المحتل طالما صاحب الحق محروما من أرضه وحقوقه الوطنية المشروعة،ضمن معادلة صفرية لا تجوز معها التسوية أو التجزئة أمام شعب لا يقهر.