عن ريال مدريد الذي خسر قبل انطلاق صافرة البداية

21

د.عاصم منصور

ثمة مقولة حول أهمية الثقافة المؤسسية تُنسب للمفكر الإداري الأميركي بيتر دراكرتقول: «الثقافة تلتهم الإستراتيجية على الإفطار»، أي أنه مهما كان لدينا منإستراتيجيات محكمة ورؤى ثاقبة فإنها سوف تفشل حتماً ما لم تواكبها ثقافة مؤسسيةتؤمن بها وتدعمها. لكننا في كل مرة نقرأ هذه العبارة، فإننا نتجاوزها مسرعين نحوجداول البيانات ومؤشرات الأداء وخطط التوسع

 ما ذكرني بهذه العبارة ما أوردته وسائل الإعلام حول الوضع البائس الذي يسود غرفةالملابس في أحد أعرق أندية العالم، أقصد هنا ريال مدريد. ولن أتحدث عن المبارياتفهذا ليس مجالي، لكن ما يجري في مدريد هذا الموسم من مشادات وصلت حدالاشتباك الجسدي بين اللاعبين، واتهامات بوجود «مخبر» يُسرّب أسرار غرفة الملابس،ولاعبين قرروا ببساطة أن يتوقفوا عن التواصل مع المدرب، يتخطى حدود الملعب.

تعود جذور هذه الأزمة إلى صيف 2024، حين أتمّ النادي صفقة كيليان مبابي، الذييُعتبر أحد أهم المواهب الكروية، ليضمّه إلى نجمين متوهجين آخرين: فينيسيوسوبيلينغهام. ثلاثة لاعبين يحمل كل منهم عالماً كاملاً من «الإيغو» والتوقعات والمكانةالتي اعتاد عليها ويرفض أن ينازعه عليها أحد. ولم يكن الخطأ في انتقاء هذه المواهبفهي بالفعل من ألمع نجوم هذا الجيل، بل في الاعتقاد بأن المواهب تكفي لتصنعفريقاً

حين درست البروفيسورة أنيتا ألبيرس من جامعة هارفارد تجربة السير أليكسفيرغسون في مانشستر يونايتد، ونشرت استنتاجاتها في هارفارد بزنس ريفيو، وجدتنقيض ما يحدث في مدريد اليوم تماماً. فهو لم يلجأ إلى شراء النجوم جاهزة، بل شكلهامن الطين. فأول ما فعله حين تسلّم النادي كان إنشاء أكاديميتين للناشئين، بينما كانالجميع يسخر منه ويتساءل: كيف للاعبين صغار أن يمنحوه الانتصارات المرجوة؟ غيرأن هؤلاء الصغار صاروا عماد الفريق لأسباب لا علاقة لها بالمهارة وحدها، بل تشرّبواثقافة النادي ونشأوا على قيم الولاء والانتماء وكره الهزيمة.

أما مع النجوم، فكان موقفه عقيدة لا تتزعزع. فمن يرى نفسه أكبر من الفريق، يخرجبصرف النظر عن قيمته السوقية وحجم جماهيريته. وكان شعاره الخالد أن «اليومالذي تسيطر فيه النجوم على أسلوب اللعب، هو نهاية الفريق.

«فعلى النقيض من ريال مدريد الذي بنى تشكيلته من الخارج إلى الداخل، حيثاستقطب النجوم ثم أمل أن تنشأ بينهم الكيمياء، قام فيرغسون ببناء الفريق منالداخل إلى الخارج. فأسّس الثقافة أولاً، ثم أضاف المواهب بوصفها وقوداً للمنظومةالقائمة، ومن ثم طعّم الفريق ببعض النجوم الذين لم يكن أمامهم إلا الانصهار فيبوتقة الفريق. ما يجري في مدريد ليس حكراً على الرياضة، بل هو نمط تعرفه جميعالمؤسسات التي مرّت بأزمة هوية. فحين تتكرر الخلافات العلنية بين المديرين،وتتسرب المعلومات الحساسة إلى الصحافة، ويؤثر الموظفون النميمة على الحوارالمباشر مع رؤسائهم، فاعلم أنك لا تعاني من مشكلة فنية ولا من أزمة اقتصادية، بلمن أزمة هوية وفراغ ثقافي.

وهذا الفراغ لا يُملأ بالغرامات ولا بإعادة الهيكلة ولا بالمستشارين، بل بقرارات مبكرة تبدأ باختيار عناصر الفريق وصهرهم في بوتقة ثقافية واحدة، ووضع ضوابط مؤسسية لدور  النجوم تضمن لهم فرصة الإبداع والتألق، لكنها تحول دون تغولهم على الفريق.

لقد خلصت عشرات الدراسات التي جمعتها هارفارد عن مئات الشركات إلى أن الفرق متوسطة المهارة، لكنها تتشارك قيماً راسخة، تنجز ما يعجز عنه جمع من النجوم لايوجد ما يجمعهم. فالنادي المدجج بالنجوم والأكثر تتويجاً في التاريخ لم يُهزم فيالملاعب، بل هُزم في غرف ملابسه، وفي ثقافته.الغد

قد يعجبك ايضا