‎الإعلام الرقمي في ميزان التشريع.. قراءة قانونية في الأسباب والمآلات

7

الإعلام الرقمي في ميزان التشريع.. قراءة قانونية في الأسباب والمآلات

32024172328439988421.jpg.webp

د. عبير مصلح

لم يعد الإعلام الرقمي مجرد امتداد تقني للإعلام التقليدي، بل غدا خلال فترة زمنيةقصيرة فضاءً عامًا واسع التأثير، يعيد تشكيل أنماط إنتاج المحتوى وتداوله، ويؤثربصورة مباشرة في تشكيل الرأي العام. فقد أسهم التحول الرقمي المتسارع، وماصاحبه من انتشار واسع لمنصات التواصل الاجتماعي والأدوات الرقمية، في انفجار غيرمسبوق لحجم المحتوى المتداول، إلى جانب تراجع واضح في الحدود الفاصلة بينالإعلام المهني المنظم والمحتوى الفردي العفوي.

 هذا التحول أتاح فرصًا حقيقية لتوسيع مساحات التعبير وتعدد الأصوات، غير أنه فيالمقابل أفرز تحديات مركبة، أبرزها اضطراب المعايير المهنية، وانتشار المحتوىالمضلل، وصعوبة إخضاع الفاعلين في الفضاء الرقمي لأطر مساءلة قانونية واضحة. ومع اتساع هذا المشهد وتعقيده، لم يعد من الممكن التعاطي مع الإعلام الرقميبوصفه مجالًا خارج التنظيم، بل أصبح جزءًا أصيلًا من البنية الإعلامية التي تتقاطع معالمصلحة العامة ومتطلبات التنظيم المؤسسي وحقوق الجمهور.

وفي هذا السياق، يطرح تنظيم الإعلام الرقمي نفسه اليوم بوصفه ضرورة تشريعيةتفرضها التحولات التقنية ومتطلبات حماية المصلحة العامة، الأمر الذي يستدعي بحثالآليات القانونية السليمة الكفيلة بإخراج هذا المشروع في إطار تشريعي متكاملومتوازن، يحدد نطاق التنظيم وحدوده، ويضبط أدواته، ويمنع التوسع في تفسيره أوتطبيقه خارج مقاصده المعلنة.

من هنا، تأتي أهمية قراءة المسار التشريعي المطروح قراءة هادئة ومتأنية، لا تنطلقمن موقف مؤيد أو معارض مسبق، بل من إدراك لطبيعة التحول الرقمي وتعقيداته،وللحاجة إلى تشريع رشيد يستجيب لهذه التحولات دون أن يتحول إلى أداة تقييد أوتضييق.

تمثل موافقة مجلس الوزراء على الأسباب الموجبة لمشروع تنظيم الإعلام الرقميخطوة تمهيدية في المسار التشريعي، لكنها لا تعني إقرار النص أو حسم مضمونه. فالأسباب الموجبة، من حيث قيمتها القانونية، تُعد بيانًا تشريعيًا يوضح الدوافع العامةللمشروع وأهدافه والغايات التي يسعى إلى تحقيقها، دون أن ترقى بذاتها إلى مرتبةالقواعد الملزمة أو الأحكام التنفيذية.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية التمييز بين الأدوات التشريعية المختلفة. فـالقانون يصدرعن السلطة التشريعية، ويضع القواعد العامة المجردة التي تمس الحقوق والواجباتالأساسية، بينما يأتي النظام كأداة تنظيمية تصدر عن السلطة التنفيذية لتنفيذ أحكامالقانون وبيان آلياته، في حين تُعد التعليمات أدوات أدنى مرتبة، تُعنى بالتفصيلاتالإجرائية والتطبيقية. ومن هنا، فإن اختيار “النظام” كأداة لتنظيم الإعلام الرقمي يحملدلالة قانونية تتصل بنطاق التنظيم وحدوده، ويستوجب دقة خاصة في الصياغة حتى لايتجاوز الإطار التنفيذي إلى ما يمس جوهر الحقوق.

أما إحالة المشروع إلى ديوان التشريع والرأي، فتُعد مرحلة مفصلية في البناءالتشريعي، إذ يضطلع الديوان بدور محوري في مراجعة النص من حيث سلامتهالقانونية، وانسجامه مع الدستور والتشريعات النافذة، ودقة مصطلحاته، واتساقأحكامه مع مقاصده المعلنة. كما تمثل هذه المرحلة فرصة مهمة لتجويد النص وضبطصياغته، وفتح المجال أمام النقاش العام والملاحظات المهنية قبل الإقرار النهائي.

وعليه، فإن قراءة هذه المرحلة لا ينبغي أن تُختزل في بعدها الإجرائي، بل في كونهاالضمانة الأساسية لإخراج نص تشريعي متوازن، واضح المعالم، وقابل للتطبيق دونتوسع أو التباس.

وإذا كان تحديد الأداة التشريعية وسياقها القانوني يشكل مدخلًا ضروريًا لفهم مشروعتنظيم الإعلام الرقمي، فإن السؤال الأهم يظل متعلقًا بأسباب هذا التوجه التشريعي،وما إذا كانت التحولات التي يشهدها الفضاء الرقمي تبرر التدخل التنظيمي من حيثالمبدأ.

وتأسيساً على ذلك فإننا نلاحظ أن الدول تتجه، على اختلاف أنظمتها القانونية، إلىتنظيم الإعلام الرقمي بوصفه استجابة واقعية لتحولات عميقة فرضها الفضاء الرقمي،لا باعتباره توجهًا نحو التضييق أو التقييد. فقد أفرز هذا الفضاء، على اتساعه وحيويته،حالة من الفوضى المهنية، نتيجة تداخل الأدوار بين الإعلامي المحترف وصانع المحتوىالفردي، وغياب معايير واضحة تضبط طبيعة العمل الإعلامي ومسؤولياته.

وقد أسهم هذا الواقع في انتشار المحتوى غير الموثق والمعلومات المضللة، ماانعكس على وعي الجمهور وثقته بالمصادر الإعلامية، وأثار إشكاليات قانونية تتعلقبصعوبة المساءلة وتحديد المسؤولية عن الأثر المترتب على النشر. وفي ظل هذاالمشهد، تبرز الحاجة إلى تنظيم الإعلام الرقمي كأداة لضبط الممارسة المهنية، لالمصادرة الآراء، من خلال إرساء حد أدنى من القواعد التي تعزز الشفافية والمساءلةوتحمي حقوق الجمهور.

وفي هذا السياق، يبرز قدر من الغموض القانوني في عدد من المفاهيم التي وردت فيالخطاب الصحفي المرافق للإعلان عن المشروع، وهو غموض يستدعي التوقف عندهقبل الإقرار. فمفهوم «تطوير وتنظيم البيئة الإعلامية الرقمية» يطرح تساؤلًا حول نطاقهذا التنظيم: هل يتجه إلى تنظيم المهنة الإعلامية ذاتها، أم المحتوى المنشور، أمالمنصات والأدوات الرقمية، أم الأشخاص القائمين على النشر؟

كما أن الحديث عن « بيئة تشريعية واضحة وعملية» يفتح باب التساؤل حول معيارهذا الوضوح، وما إذا كان يتحقق بمجرد النصوص، أم بآليات التطبيق والرقابة التيسترافقها. ويزداد الأمر تعقيدًا عند ربط الأدوات الرقمية للمؤسسات الإعلامية بضرورةاتساق محتواها مع الوسيلة الإعلامية الأصلية، دون تحديد الجهة المخولة بتقدير هذاالاتساق أو المعايير التي تحكمه، وما إذا كان معيارًا موضوعيًا ثابتًا أم تقديريًا متغيرًا. وينسحب الغموض ذاته على آليات حماية الملكية الفكرية، حيث لم يتضح بعد ما إذاكانت ستُحمى عبر التسجيل، أو إجراءات الشكوى، أو جزاءات محددة، أم ستظل فيإطار إعلان نوايا عامة.

 كما يطرح إدراج «أخلاقيات استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي» تساؤلات حولطبيعتها القانونية، وما إذا كانت مبادئ إرشادية أم التزامات ملزمة تترتب عليهامسؤوليات مدنية أو جزائية.

ويبقى في صلب هذه الإشكالية تعريف «صانع المحتوى المحترف»، بوصفه حجرالزاوية في نطاق تطبيق النظام، وما إذا كان هذا الوصف سيُبنى على معيار الدخل، أوالاستمرارية، أو طبيعة المحتوى، أو اجتماع هذه العناصر مجتمعة.

في ضوء ما سبق، يتضح أن جوهر النقاش حول تنظيم الإعلام الرقمي لا يرتبط بمبدأالتنظيم بحد ذاته، بقدر ما يتصل بجودة هذا التنظيم ووضوحه وقدرته على معالجةالواقع المتغير دون خلق إشكالات جديدة. فالتشريع، متى جاء بصياغات دقيقةومفاهيم محددة، يكون أداة لتنظيم الواقع لا لتعقيده، ومظلة قانونية تضبط الممارسةبدل أن تربكها.

ولا يكمن الخطر في سنّ نظام لتنظيم الإعلام الرقمي، بل في أن يُقرّ بنصوص غامضة أومعايير مزدوجة أو أدوات تطبيق غير واضحة، بما يفتح الباب أمام اجتهادات متباينة فيالتفسير والتنفيذ. ومن هنا، فإن الحاجة الملحّة لا تنحصر في إصدار النظام، بل فيإخراجه ضمن قالب تشريعي مفهوم وشفاف، بعيد عن التقييد غير المبرر، وقادر علىتحقيق الاستقرار القانوني للمجال الإعلامي الرقمي.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية فتح نقاش وطني مهني واسع قبل الإقرار النهائي، يضمالإعلاميين والحقوقيين وخبراء التشريع، إلى جانب صناع المحتوى والمؤثرينالإيجابيين في وسائل التواصل الاجتماعي، بوصفهم أطرافًا فاعلة في هذا الفضاء،ومعنيين بشكل مباشر بتداعيات التنظيم وتطبيقاته العملية. فإشراك هذه الفئات لايُعد ترفًا تشاوريًا، بل شرطًا أساسيًا لتجويد النص وضمان قابليته للتطبيق.

فالتشريع الجيد هو ذاك الذي يواكب تطور التشريعات المعاصرة، ويتفاعل مع الواقعالتقني المتغير، ولا يكتفي بسدّ فراغ شكلي بنص قانوني، بل يعالج هذا الفراغ معالجةمتكاملة، توازن بين التنظيم والمرونة، وتوحّد المعايير، وتحد من الغموض والقصور. وعليه، فإن نجاح نظام تنظيم الإعلام الرقمي سيُقاس بمدى قدرته على أن يكون تشريعًاتكامليًا يسدّ الفجوة التنظيمية القائمة، وينظم هذا القطاع الحيوي بوضوح واستقرار، لابمجرد صدوره أو الإعلان عن أهدافه.

قد يعجبك ايضا