جريمة مقيدة ضد مجهول

30

جريمة مقيدة ضد مجهول

د.رشا سلامة

يمرّ خبر وفاة عالم الذرّة اللبناني محمد علي أيوب، في ظروف غامضة في إسبانيا، مرور الكرام عبر وسائل إعلام عربية قليلة تناقلته، فيما أحجمت معظم وسائل الإعلام العربية الأخرى حتى عن إيراد الخبر.

صحيح أن الصحافة المهنية تقتضي ألا يُبتّ في جريمة من قِبل الإعلام، وأن يُترك الأمر للجهات الأمنية، وأن يحذَر الصحفي خلال استخدامه مصطلحات حاسمة مثل “مجرم” و”مدان” و”متهم” و”مشتبه به”، لكن الصحافة المهنية لم تمنع في يوم طرح الأسئلة وإثارة علامات الاستفهام.

حادثة العالِم اللبناني ليست الأولى من نوعها؛ إذ يحفل التاريخ العربي بقائمة مغدورين قضوا في ظروف غامضة، وقُيّدت الجريمة بحقهم ضد مجهول، وكانت تخصصاتهم على درجة من الحساسية، منهم على سبيل المثال لا الحصر الدكتورة سميرة موسى عالِمة الذرّة المصرية، التي دُعيت في الخمسينيات لمؤتمر وهمي في الولايات المتحدة وقضت هناك في حادث سير مفتعل.
هناك كذلك عالِم الذرّة المصري يحيى المشد، الذي عُثِر عليه مقتولا كذلك في غرفة فندق في باريس، في الثمانينيات.
الدكتور الفلسطيني فادي البطش، الذي اغتيل أثناء توجهه لصلاة الفجر في ماليزيا، كان معروفا بتبحّره الواسع في حقل الطاقة والهندسة الكهربائية.
نبيل فليفل أيضا، كان من العلماء اللافتين في حقل الفيزياء النووية، كان قد اختفى وقُتِل في ظروف بالغة الغموض في فلسطين المحتلة.
لا يبدو ثمة مستفيد أكبر من الموساد؛ إذ عقيدة كيان الاحتلال الإسرائيلي تقوم على مبادئ الإبادة والاغتيال والسطو واغتصاب الحقوق، فلا يبدو الأمر مستغرَبا حين تربط تكهنات بين جرائم من هذا النوع وبين أنشطة الموساد التي تستهدف كل من يحمل بذرة قوة أو تغيير في العالم العربي لا سيما دول الطوق.
لا يضير أن يتابع الإعلام العربي هذه القضايا بعين ملؤها الشك؛ ذلك أن الصدف إذا ما تكررت لا تعد صدفا، كما أن الشخصيات العلمية المستهدفة قد تفيد حركات المقاومة والتحرر في العالم العربي، ما لا يجعلها في منأى عن استهداف الموساد، الذي يفاخر بأن قادته الذين حكموا ويحكمون كيان الاحتلال هم من خرّيجيه، وبأنهم قادوا عمليات قتل وتصفيات وإبادة في فلسطين المحتلة وفي عواصم عدة، منهم إسحاق شامير ومناحم بيغن وأريئيل شارون وإيهود باراك وبنيامين نتنياهو وتسيبي ليفني وغيرهم.
قضى العالِم اللبناني محمد علي أيوب وذهبَ سرّه معه، ما بين من يقول بأن الوفاة جاءت نتيجة خلل في القلب وبين من يشير بأصابع الاتهام للموساد، كما قضى آخرون في الحقل العلمي على مدار سنوات عجاف من معاناة العالم العربي بسبب كيان الاحتلال، غير أن الجريمة كما العادة قُيّدت ضد مجهول، والإعلام العربي كما العادة أيضا أدار ظهره تحفظا أو تخوفا، كما لو أن هذه العقول النادرة علميا لا تخصه، وكما لو أنه لا يخبر جيدا أنشطة كيان الاحتلال المسعور.الغد

قد يعجبك ايضا