الانفاق الرأسمالي: تفصيل صغير بأثر كبير
الانفاق الرأسمالي: تفصيل صغير بأثر كبير
د.رعد محمود التل
في النقاشات الاقتصادية كثيرًا ما يظهر مفهوم الإنفاق الرأسمالي باعتباره أحد أهم أدوات الاستثمار العام والخاص. هذا النوع من الإنفاق لا يقتصر على كونه رقمًا في الموازنة، بل يمثل فهماً اقتصادياً تجاه بناء الأصول وتنمية القدرة الإنتاجية للاقتصاد. طبعاً، تزداد أهمية هذا النقاش مع إقتراب مناقشة مجلس النواب لمشروع قانون الموازنة العامة للعام 2026، حيث بلغت النفقات الجارية نحو 11.455 مليار دينار، مقابل 1.600 مليار دينار كنفقات رأسمالية.
يرتبط الإنفاق الرأسمالي مباشرة بقدرة الحكومة أو المؤسسات على إنشاء أصول جديدة أو تطوير الأصول القائمة. وهو إنفاق يمثل استثمارًا طويل الأجل يسهم في رفع الكفاءة الإنتاجية وتحسين جودة الخدمات العامة. فعندما يتم بناء طريق جديد، أو توسعة محطة كهرباء، أو إنشاء مستشفى حكومي، فإن هذه المشاريع لا تعالج حاجة آنية فقط، بل تُسهم في تحسين بنية الاقتصاد وقدرته على النمو. لذلك، يُعرف الإنفاق الرأسمالي بأنه أي إنفاق يضيف أصلًا جديدًا، أو يرفع القدرة الإنتاجية لأصل قائم، أو يزيد عمره التشغيلي بشكل جوهري.
في المقابل، توجد كثير من الأعمال التي تهدف إلى الحفاظ على الأصل في حالته الطبيعية كأعمال الصيانة الدورية . والتي تشمل الإصلاحات العامة، وتغيير القطع المستهلكة، أو معالجة الأعطال التشغيلية البسيطة. هذه الأعمال تسجل عادة ضمن الإنفاق الجاري لأنها لا تضيف قدرة إنتاجية جديدة للأصل، بل تحافظ عليه فقط.
مع ذلك، قد تتحول الصيانة إلى إنفاق رأسمالي إذا كانت التحسينات تتجاوز مجرد الصيانة العادية. فإذا أدت أعمال الصيانة إلى رفع كفاءة الأصل بشكل كبير، أو إطالة عمره الإنتاجي لسنوات إضافية، أو نقله إلى حالة أفضل من وضعه الأصلي، فإنها تعد إنفاقًا رأسماليًا. أمثلة ذلك تحديث أنظمة محطة كهرباء بما يزيد قدرتها الإنتاجية، أو إعادة تأهيل شامل لمدرسة يحولها إلى منشأة جديدة وظيفيًا.
على الطرف الآخر، يظهر الإنفاق الجاري باعتباره الإنفاق الذي يُخصص لتسيير الأعمال اليومية وتشغيل المرافق. فهو يشمل الرواتب، واللوازم، والخدمات الأساسية، والمصاريف التشغيلية المختلفة. هذا النوع من الإنفاق ضروري لكنه قصير الأثر؛ ينتهي بمجرد إنفاقه، ولا يسهم في بناء أصل جديد أو زيادة القدرة الإنتاجية للاقتصاد. لذلك، فإن هيمنة النفقات الجارية على الموازنة تعني أن الجزء الأكبر من الموارد يذهب إلى التشغيل وليس إلى الاستثمار.
بناء على ذلك، يمكن تلخيص المعيار الأساسي للتصنيف على أنه، ما يحافظ على الأصل كما هو يعد إنفاقًا جاريًا، وما يطوره أو يضيف له عمرًا إنتاجيًا إضافيًا يعد إنفاقًا رأسماليًا. هذا التمييز والفهم ليس محاسبيًا فقط، بل يحمل أثرًا مباشرًا على جودة السياسات المالية وقدرة الدولة على تنفيذ مشاريع تنموية قادرة على خلق نمو اقتصادي حقيقي. إن أهمية هذا التمييز تتجاوز الجوانب الفنية. فحجم الإنفاق الرأسمالي في أي موازنة يعكس مدى التزام الحكومة بتحسين البنية التحتية وتطوير الخدمات وتحسين الإنتاجية، بينما يوضح حجم الإنفاق الجاري مستوى الالتزامات التشغيلية الكثيفة التي تحد من قدرة الدولة على توجيه الموارد نحو الاستثمار.
فهم هذه الفروقات، بما في ذلك التمييز بين الصيانة التشغيلية والصيانة الرأسمالية، يساعد في تحليل الأولويات الحكومية وتقييم أثر الإنفاق على التنمية والنشاط الاقتصادي. فالإنفاق الرأسمالي استثمارًا في المستقبل. فهو يعزز القدرة الإنتاجية، ويرفع قيمة الأصول، ويخلق بيئة اقتصادية أكثر قدرة على النمو. أما الإنفاق الجاري فيضمن استمرار العمل اليومي. ومن خلال فهم هذا الفرق، خاصة في ظل الأرقام الفعلية للنفقات في الموازنة، يصبح من الممكن تقييم مدى توجه الحكومة نحو الاستثمار الحقيقي الذي يبني اقتصادًا قويًا وقادرًا على مواجهة التحديات وخلق فرص العمل.