القطاع الصحي بين واقع الأداء وصناعة الانطباع

9

بيان نوافلة

لفت نظري قبل أيام تقرير ورد في إحدى نشرات الأخبار عن واقع الخدمات الصحية في بريطانيا. تحدث التقرير عن تأخر سيارات الإسعاف في الاستجابة للحالات الطارئة، وانتظار نحو 50 ألف مريض أكثر من 12 ساعة في أقسام الطوارئ. وبحسب بيانات هيئة الخدمات الصحية الوطنية في إنجلترا لشهر أيلول 2026، بلغ عدد المرضى الذين انتظروا أكثر من 12 ساعة بعد اتخاذ قرار إدخالهم إلى المستشفى 50,582 مريضاً، فيما وصل متوسط استجابة الإسعاف للحالات من الفئة الثانية إلى 31 دقيقة و18 ثانية.

ما استوقفني لم يكن حجم المشكلة في بريطانيا بحد ذاته، بل الفارق في الطريقة التي نتعامل بها مع مثل هذه الأخبار حين تقع هناك وحين تقع هنا. ففي الحالة الأولى، نقرأ الأرقام بوصفها مؤشرات على ضغوط تواجه منظومة صحية كبيرة، ونبحث عن أسبابها ومدى قدرة المؤسسات على معالجتها. أما في الأردن، فقد تكفي صورة من داخل مستشفى أو شكوى من تأخر تلقي العلاج لتبدأ موجة من الأحكام العامة التي تتحدث عن تقصير القطاع الصحي وتراجع خدماته.
ليس المقصود أن نقارن نظامين مختلفين لنثبت أن أحدهما أفضل من الآخر، أو أن نتخذ من المشكلات التي تواجه القطاع الصحي البريطاني مبرراً لأي تقصير محلي. إنما استدعى هذا المثال في ذهني طريقة الحكم على القطاعات الخدمية عموماً حين تتحول واقعة فردية إلى انطباع شامل عن أداء مؤسسة أو قطاع بأكمله.
في الأردن، تتعامل كوادر الدفاع المدني مع مئات آلاف حالات الإسعاف سنوياً، فيما تستقبل المستشفيات أعداداً كبيرة من المراجعين تحت ضغط متواصل على الكوادر والأسرّة. وفي حصيلة حملة “عامان من العمل”، أعلنت الحكومة عن توسع في المنشآت الصحية، وتطوير خدمات الصحة الرقمية، وتوصيل أكثر من 147 ألف طرد دوائي إلى المنازل، إلى جانب زيادة القدرة على تقديم الفحوصات التشخيصية وتقليص الانتظار في بعض الخدمات. هذه المؤشرات لا تُغني عن السؤال عن جودة الخدمة، لكنها تقدم صورة لا تظهر عادة في المنشورات التي تختزل القطاع في حادثة أو شكوى.
المفارقة أن الأرقام الإيجابية لا تنتشر بالضرورة بالسرعة نفسها التي تنتشر بها مقاطع الشكاوى. فالإنجاز يتطلب شرحاً وإثباتاً ومقارنة بين ما كان عليه الوضع وما أصبح عليه، وقد لا تحظى الأخبار الإيجابية بالاهتمام ذاته الذي يحظى به مقطع قصير مثير للغضب أو شكوى عن تقصير خدمة أو طبيب. ومع التكرار، يصبح الانطباع المتشكل على المنصات أوسع من الوقائع نفسها، وقد يتحول إلى رواية عامة عن أداء المؤسسات، حتى قبل معرفة التفاصيل أو صدور نتائج التحقيق.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية لأن القطاع الصحي الأردني ليس خدمة محلية فحسب، بل أحد القطاعات التي تستقطب المرضى من الخارج. فقد استقبل الأردن نحو 230 ألف مريض أجنبي بقصد العلاج خلال عام 2025، وبلغت إيرادات السياحة العلاجية قرابة مليار دولار، وفق بيانات نشرتها صحيفة (The Jordan Times). وفي قطاع يعتمد جانب من نشاطه على السمعة والثقة، يمكن للمعلومات غير المكتملة أن تؤثر في انطباعات المرضى المحتملين، كما يمكن للشفافية والاستجابة المهنية للشكاوى أن تعززا الثقة.
ومع ذلك، فإن حماية السمعة لا تعني التقليل من معاناة المرضى أو مطالبتهم بالصمت. فمن حق المواطن أن يتوجه بالشكوى من التقصير ومن واجبه على المؤسسة أن تتحقق من أي خطأ محتمل وأن تحاسب المقصر إذا ثبتت مسؤوليته. ولكن من حق الجمهور أيضاً أن يحصل على صورة دقيقة، لا أن يُدفع إلى استنتاجات عامة بناءً على رواية واحدة أو مقطع لا يعرض كامل السياق.
المطلوب إذن ليس التوقف عن انتقاد القطاع الصحي الأردني، بل أن يكون الانتقاد مبنياً على أساس الوقائع والظروف، وأن نميز بين الخطأ الفردي والخلل المتكرر، وبين الإنجاز المعلن والأثر الذي يلمسه المريض. فالأرقام وحدها لا تثبت نجاح المنظومة، كما أن الشكاوى وحدها لا تثبت فشلها. وما بينهما تقع مسؤولية الإعلام والمؤسسات والجمهور في تكوين حكم عادل يساعد على تصحيح الخلل وتحسين الخدمة بدلاً من أن يتحول النقاش إلى سباق بين التهويل والتجميل الغد

قد يعجبك ايضا