لماذا يصبح الالتفات إلى الداخل ضرورة؟

7

د.عامر سبايلة

يخطئ من يعتقد أن المنطقة يمكن أن تخرج من مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر كما كانت قبلها. والأخطر أن ما نعيشه اليوم ليس أزمة عابرة، بل أزمة طويلة الأمد. والأزمات الطويلة تفرض تحديات كبيرة على الدول، لكنها في الوقت ذاته تفتح آفاقاً لمتغيرات قد تتحول إلى تهديدات حقيقية، أو إلى فرص إذا ما أحسن التعامل معها.

إذا نظرنا إلى المتغيرات الحالية، خصوصاً مع السعي الإسرائيلي المستمر إلى إنهاء فكرة «وحدة الساحات» عبر إعادة رسم الجغرافيا الأمنية في لبنان وسوريا والضفة الغربية وغزة، فإن الأردن يقف أمام تحديات مباشرة، وفي مقدمتها ما يرتبط بالضفة الغربية والعلاقة مع إسرائيل.
لكن النظر إلى المرحلة باعتبارها سلسلة من التهديدات فقط قد لا يكون كافياً. فالتحديات يمكن أن تتحول أيضاً إلى فرص. والجغرافيا الأردنية أساسية في كثير من المشاريع المستقبلية، سواء في خطوط المواصلات والسكك الحديدية أو الطاقة. وهذا يعني أن الأردن لا بد أن يبدأ بالتفكير جدياً في كيفية الاستفادة مما هو قادم، وليس فقط في كيفية التحوط من أخطاره.
لكن الاستعداد لما هو قادم يبدأ، قبل كل شيء، من الداخل. والاستعداد يحتاج أيضاً إلى كسر الجمود، وتغيير الأدوات والفكر، وعدم التعامل مع المتغيرات الجديدة بعقلية الأدوات القديمة.
الالتفات إلى الداخل يصبح أكثر أهمية في زمن الأزمات الطويلة. فمع استمرار الأزمات، تبدأ الدول بإعادة النظر في تحدياتها الداخلية وعلاقتها بمواطنيها. وما كان يمكن تأجيله يصبح ملفاً ملحاً. صحيح أن جزءاً كبيراً من التحديات يرتبط بالاقتصاد والواقع المعيشي، لكن اختزالها في الاقتصاد وحده سيكون خطأ؛ فهناك تحديات مجتمعية وسياسية أيضاً، وحاجة إلى عناوين واضحة للمرحلة المقبلة.
لهذا، فإن ترتيب الداخل لا يجب أن يكون بهدف عبور الأزمة الحالية فقط، بل للتأسيس للمستقبل. ففكرة أن تبقى الدول في حالة دفاع دائم، تستعد للأزمات وتتحوط لها، تتناقض مع فكرة بناء الدول. بناء الدول هو مشاريع طويلة الأمد، واضحة المعالم، تستوعب المتغيرات ولا تكتفي بالتعامل معها بعد وقوعها.
ومن هنا، يحتاج الأردن إلى أن يكون المشروع الوطني الأردني عنوان المرحلة القادمة، بدءاً من بناء الرواية الأردنية وتعزيز الشعور الوطني، وجعل الشأن الأردني أولوية في التفكير الداخلي، في وقت قد تفرض القضايا الخارجية نفسها على القضايا الداخلية.
أن تكون أردنياً اليوم هو عنوان مهم جداً، يحتاج إلى فكر جمعي لا فردي؛ فكر دولة، لا فكر أفراد، وإلى حاضنة مجتمعية تعزز الهوية الوطنية والتفكير الوطني، وتحول دون تغول أي نمط فكري على صياغة الهوية المجتمعية.
ولا يمكن لمشروع وطني طويل الأمد أن يكتمل من دون سياسة تنويرية تفتح المجال أمام تعدد الأفكار والرؤى. فمشروع التنوير الثقافي هو مشروع دولة، وأدوات الدولة قادرة على إنجازه، شرط أن تكون قادرة أيضاً على رصد إشارات الخطر المجتمعي ومعالجتها مبكراً، قبل أن تتجذر وتصبح معالجتها أكثر صعوبة.
قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على التعامل مع الخطر بعد وقوعه، وإنما بقدرتها على رؤيته واستباقه وفرض الحل الوقائي قبل تحوله إلى أزمة.
الأردن بحاجة إلى مناخ ثقافي ومجتمعي يشعر فيه المواطن بأنه جزء من المشروع، ويجد فيه فرصاً وأفقاً يتجاوز حالة الإحباط والصعوبة الاقتصادية.
فالمرحلة المقبلة لن تكون فقط اختباراً لقدرة الأردن على مواجهة التهديدات الخارجية، بل اختباراً لقدرة الدولة على بناء الداخل وتحويل الصعوبات إلى فرص على الصعيد التنموي.
ولابد أن نتذكر أن الأزمات الطويلة لا تجعل نجاة الدول من الأزمة هي الهدف الوحيد، بل الأهم أن تعرف أين تريد أن تكون بعد الأزمة.الغد

قد يعجبك ايضا