لماذا الصين؟ ولماذا الآن؟
لماذا الصين؟ ولماذا الآن..؟
راكان السعايدة
باستثناء تحليلات سياسية وتقارير إخبارية قليلة، لم يخرج تناول زيارة الملك عبدالله الثاني إلى الصين عن الإطار التقليدي المعتاد في تغطية هكذا مناسبات.
زار جلالة الملك الصين تسع مرات، في ثماني منها بدت الزيارات طبيعية، لأنها، في المجمل، جاءت في ظروف إقليمية ودولية طبيعية أو شبه طبيعية، إلا أن الأخيرة، بكل المقاييس، جاءت مختلفة كلياً؛ إقليم يعاد تشكيله، ونظام عالمي غير مستقر.
وهذا، بتقديري، ما يمنح الزيارة الملكية التاسعة إلى الصين بعداً مختلفاً، ويعطيها معنى سياسياً مختلفاً أيضاً، قياساً إلى الزيارات السابقة.
كيف ذلك..؟
يمكن أن نفهم، ونستنتج، أن الزيارة الملكية أتت تعبيراً دقيقاً عن وعي الأردن بحجم متغيرات الإقليم، وأنه، أي الإقليم، الذي يعاد تشكيله من جديد، تسعى كل دولة داخله لأن تكون لاعباً في صياغته، ومركزاً في بنيته الجديدة.
هذا الوعي يأتي، أيضاً، تعبيراً عن إدراك أردني طبيعي بأن أوزان الدول في الإقليم وأدوارها ستتغير، ولن تبقى كما هي، وأن أي دولة تريد أن تحجز مكاناً لها في بنيته الجديدة، لا بد أن تملك أسباباً مقنعة وإمكانات ذات قيمة، لتقول للجميع: أنا هنا، وإن تجاوزي وتجاوز مصالحي ليس أمراً ممكناً.
جغرافية الأردن تمنحه بعض ذلك؛ السبب والإمكانية، وبمقدورها أن تقدمه للفاعلين، الإقليميين والدوليين، لاعباً أساسياً في بنية النظام الإقليمي، ليس بوصفه فقط “دولة عازلة” بين القوى المتصادمة، وإنما أيضاً مركزاً للصناعة والتجارة، وعقدة للمواصلات وسلاسل الإمداد.
من هنا، يمكن أن نفهم جيداً قيمة الزيارة الملكية إلى الصين، لأن بكين، بما تملك من اقتصاد هائل ومتنوع، يمكنها أن تجعل من الأردن، الآمن والمستقر، مركزاً استثمارياً لها في الإقليم.
ليس لأن الأردن آمن ومستقر وحسب، وإنما لأنه يمتلك ميزة الجغرافيا، أحد أهم أصوله الاستراتيجية، وهذه الجغرافيا يمكن للصين نفسها أن تراها أصلاً استراتيجياً لها، إذا ما قررت الاستثمار فيها وفق تصور أوسع وأشمل لمصالحها في الإقليم.
المعنى الأهم، أنه إذا ما نجحت عمّان فعلاً في الاستثمار بإدراك الصين ووعيها بقيمة وأهمية جغرافية الأردن، فإن هذه الجغرافيا يمكن أن تتحول إلى مركز ثقل اقتصادي إقليمي.
في العموم، نفهم أن ذلك لا يحدث بالجغرافيا وحدها؛ فالجغرافيا تصبح قوة عندما تتحول إلى بنية تحتية، وممرات وسلاسل إمداد تجارية، وصناعة، وطاقة، وخدمات لوجستية، واستثمارات، وتشريعات قادرة على تحويل الأردن إلى ذلك المركز الاقتصادي المأمول.
هذا المركز، إن تحقق، سيكون هدية الجغرافيا للأردن، وأحد أهم، وأكبر، أوراقه السياسية التي تضع عمّان في قلب الإقليم الجديد.
لذلك، من غير المنطقي أبداً أن نقرأ قيمة ومعنى الزيارة الملكية إلى الصين من زاوية الفائدة الاقتصادية فقط، على أهمية ذلك طبعاً، وإنما من زاوية دلالاتها وأبعادها السياسية.
ومن غير المنطقي، أيضاً، الاعتقاد أن الأردن يخرج كلياً من سياقه، ويستبدل تحالفه مع أميركا بتحالف مع الصين؛ لا هذا بالمطلق ولا ذاك بالمطلق. عمّان لا تستبدل تحالفاً بتحالف، وإنما تعمل على موازنة خياراتها، وتوسع من هامش حركتها مع القوى المؤثرة في النظام الدولي.
وفي الوقت عينه، وفي خلفية المشهد، يلحظ الأردن أن موازين القوى العالمية أخذت تعطي إشارات واضحة إلى تغيرات محتملة في مواقع وأوزان الدول الكبرى، ولتلك التحولات تجليات ظاهرة في الإقليم لا يجب إغفالها.
وإن كان الأمر كذلك، فإن الأردن، المتحسب لكل شيء، لا بد وأن يزن حركته بميزان دقيق، ويحسب خطواته جيداً، وهذا ما يفترض أن يمثله الانفتاح على الصين كمدخل لموازنة علاقاته بالقوى العالمية المؤثرة، وتوسيع خياراته الاقتصادية والسياسية.
فمن جهة، تتيح الصين للأردن فرصاً اقتصادية حقيقية يمكن أن تسهم في معالجة جزء من مشكلاته (…) ومن جهة أخرى، فرصة سياسية، إذ يمكن لشراكة أعمق معها أن تمنح الأردن مساحة حركة أوسع، وتدعم موقعه كأحد مفاصل الإقليم المهمة والمؤثرة في بنيته.
الإقليم، الذي من الواضح أن كل دولة فيه، وبلا استثناء، مشغولة بنفسها، وبتأمين مصالحها، وحماية موقعها، وتصوغ تحالفاتها من وحي ذلك.. فهل هذا مشروع لها وممنوع على غيرها..؟ حتماً لا.
إذن، ما الخلاصة..؟
الخلاصة، أن الزيارة الملكية إلى الصين تحمل معاني في توقيتها، ومعاني في الظاهر منها، ودلالات ومغازي في غير المعلن منها.
ويمكن قراءتها في إطار فهم أردني بأن التحالف مع أميركا بمعناه السياسي والعسكري والأمني، ولاحقاً الاقتصادي، ثابت، لكن ذلك لا يمنع التقارب مع الصين اقتصادياً، وبناء شراكة تقدم فيها بكين الاستثمار، وتقدم عمّان الجغرافيا.
لا بوصفها جغرافيا هامشية طرفية، وإنما بوصفها جغرافيا بقيمة استراتيجية كبرى؛ عقدة تربط الشرق بالغرب، وبيئة آمنة ومستقرة للاستثمارات الكبرى، ومركزاً يمكن أن تتقاطع فيه المصالح الاقتصادية والسياسية، ومساحة للحوار وإدارة وفض النزاعات.
هذا، بفهمي، ما تقوله الزيارة الملكية إلى الصين، أو على الأقل هذا أحد أهم ما يمكن قراءته فيها.
فهي، بلا مبالغة، ليست كأي زيارة سابقة، لا في مبناها ولا في معناها، وما تحتاجه الآن حكومة مبادرة وقادرة أن تبني وتراكم على الطريق الواسع الذي فتحه الملك باتجاه الصين، وأن تترجم ما توفره الزيارة من فرص سياسية واقتصادية إلى مصالح أردنية حقيقية.
بهذا المعنى، فإن السؤال المحوري، ليس فقط أن نسأل: لماذا الصين..؟ وإنما الأهم هو: لماذا الصين الآن..؟
الإجابة، باختصار: الأردن لا يبحث عن تحالفات بديلة، بقدر ما يحاول تحسين الشروط التي يمكن أن تمنحه موقعاً أفضل في إقليم يتغير ويصاغ من جديد، ودوراً أكبر في نظام دولي يدخل طوراً جديداً من إعادة تشكيله.. وفي قلب كل ذلك تحويل جغرافيته من مجرد موقع على الخريطة إلى قوة اقتصادية وسياسية.
إن أحسن الأردن استثمار جغرافيته، المسنودة بالأمن والاستقرار فهو بالتأكيد سيملك واحداً من أهم مفاتيح تحسين موقعه في الشرق الأوسط الجديد..