شباب المحافظات وريادة الأعمال ودور صندوق تنمية المحافظات في دعم المشاريع الصغيرة

16

المهندسة: ميسون الزعبي

يمثل  الشباب الأردني  أحد  أهم عناصر  القوة  في  بناء  الاقتصاد الوطني، لما  يمتلكونه  من  طاقات وأفكار وقدرات  يمكن  أن  تتحول، إذا توافرت لها  البيئة  المناسبة،  إلى مشاريع إنتاجية  وفرص  عمل  جديدة. وتزداد أهمية  دعم  الشباب في  محافظات المملكة،  حيث توجد طاقات  بشرية  كبيرة  وأفكار ومبادرات  واعدة،  إلا  أن  كثيرًا منها  لا يجد  طريقه  إلى  التنفيذ  بسبب محدودية  رأس  المال، أو  ضعفالخبرة  الإدارية،  أو  صعوبة  الوصول إلى  الأسواق  والتمويل.

ومن  هنا  تبرز  أهمية  صندوق  تنمية المحافظات  كأداة  وطنية  يمكن  أن يكون  لها  دور  أكبر  في  تمكين الشباب  من  الانتقال من  مرحلة التفكير والبحث عن  وظيفة  إلىمرحلة  إنشاء  مشروع  منتج  يوفر دخلًا  مستدامًا، ويسهم في  تشغيل آخرين، ويخلق  قيمة اقتصادية داخل المحافظة. غير أن نجاح  هذه  المهمة لا يعتمد   فقط   على  توفير  الأموال، وإنما  يحتاج  إلى  إعادة   التفكير   في طريقة  التمويل  نفسها، بحيث  يتحول الصندوق  من  جهة  تقدم  التمويل إلى  مؤسسة  تنموية  تستثمر  في نجاح  المشروع  وتحافظ  في  الوقت ذاته  على رأس  مالها.

إن  المشكلة  التي  تواجه العديد  من الشباب ليست عدم  وجود  الأفكار، وإنما  وجود  فجوة  بين  الفكرة والقدرة  على  تنفيذها. فقد  يمتلك الشاب  فكرة  مشروع  جيدة،  لكنه لا يعرف  كيفية إعداد  دراسة  الجدوى أو  تحديد  السوق  المستهدف  أو إدارة  التدفقات  النقدية  أو  تسويق المنتج.  وقد  يحصل  على  التمويل، لكن المشروع  يتعثر  بعد  فترة قصيرة  بسبب  ضعف  الإدارة  أو  عدم القدرة  على  الوصول  إلىالزبائن. ولذلك  فإن  تقديم  القرض  وحده لا يمثل  الحل  الكامل،  بل  قد  يؤدي  فيبعض  الحالات  إلى  تحميل  الشاب التزامات  مالية  قبل  أن  يصبح مشروعه  قادرًا  على  تحقيق  دخل مستقر.

ومن  هنا  يمكن  لصندوق  تنمية المحافظات أن  يتبنى مفهومًا  جديدًا يقوم  على  أن  التمويل  يجب  أن  يكون  جزءًا  من  منظومة  متكاملة. فالشاب لا  يحتاج  إلى  المال  فقط، وإنما  يحتاج  إلى  من  يساعده  على تحويل  الفكرة  إلى  مشروع،  ومن يتابعه  خلال  مراحل  التأسيس،  ومن يفتح  أمامه  أبواب  السوق، ومن  يقدم  له  المشورة عندما  يواجه مشكلة. وبهذا  يصبح  الصندوق  شريكًا  في  نجاح  المشروع  وليسمجرد  جهة  تقوم  بصرف  التمويل ثم تنتظر الأقساط.

ويبرز  في  هذا  السياق  مفهوم “الصندوق  الدوّار”، وهو  نموذج يمكن  أن  يساعد  على  تحقيق  هدفين في  الوقت  نفسه: دعم  أكبر  عدد ممكن  من  الشباب، والمحافظة  على رأس  المال  المخصص  للتنمية.  فبدل  أن  تذهب  أموال  الصندوق  إلى  مشاريع  محدودة  ثم  تنتهي مهمتها، يتم  تمويل  المشاريع  على شكل  قروض  أو  تمويلات  ميسرة تعود  إلى  الصندوق  على  مراحل،  ثم يعاد استخدام  الأموال المسددة  فيتمويل  مشاريع  جديدة.  وبذلك يتحول  رأس  المال  إلى  أداة  مستمرة تستطيع  تمويل  أجيال  متتالية  من الشباب.

ويحتاج  هذا النموذج  إلى  تغيير طريقة منح  التمويل. فمن  الأفضل ألا  يحصل  المشروع الجديد على كامل  المبلغ  منذ  اليوم  الأول، وإنما يبدأ  بتمويل  تأسيسي يساعده على الانطلاق،  ثم  يحصل  على  تمويل إضافي  عندما  يثبت  قدرته  علىالعمل  وتحقيق  المبيعات.  فإذا أثبت المشروع  نجاحه خلال  الأشهر الأولى، يمكن  للصندوق أن  يدعم توسعته. أما  إذا  ظهرت  مؤشرات تعثر،  فيمكن التدخل مبكرًا  لتصحيح المسار  قبل  أن  تتراكم  الخسائر. وبهذه  الطريقة  يصبح  التمويل مرتبطًا بأداء  المشروع  وليس  فقط بدراسة  مكتوبة  تم  إعدادها قبل  بدء النشاط.

كما  يمكن  أن يرافق  التمويل  برنامج إرشاد حقيقي يمتد خلال السنوات الأولى من عمرالمشروع. فوجود شخص لديه خبرة في الإدارة أو التسويق أو المحاسبة إلى جانب قد يكون في بعض الأحيان أكثر أهمية من زيادة قيمة القرض. ويمكن للصندوقأن يستفيد من أصحاب الأعمال الناجحين والجامعات والخبراء والقطاع الخاص لتوفيرشبكة من المرشدين والمستشارين الذين يتابعون المشاريع الجديدة ويقدمون لهاالدعم العملي.

ومن أهم القضايا التي ينبغي التركيز عليها أيضًا مشكلة الأسواق. فكثير من المشاريع  الصغيرة  تستطيع إنتاج منتج جيد، لكنها تفشل لأنها لا تجد من يشتري هذا المنتج. ولذلك فإن تمويل الشباب يجب ألا ينتهي عند تسليم الأموال، بل يجب أن يتضمن فتحقنوات تسويقية أمام المشاريع. ويمكن للصندوق أن ينشئ منصة إلكترونية تجمعالمشاريع التي قام بتمويلها، وتعرض منتجاتها وخدماتها، وتربطها بالمستهلكينوالشركات والمؤسسات. كما يمكن بناء شراكات مع الشركات الكبرى والفنادقوالمطاعم والمؤسسات المختلفة لتوفير فرص شراء حقيقية من المشاريع الصغيرةالموجودة في المحافظات.

وهنا يمكن أن يتحول صندوق تنمية المحافظات إلى حلقة وصل بين الشباب والقطاعالخاص. فبدلًا من أن يبدأ الشاب مشروعه ثم يبحث لاحقًا عن السوق، يمكن أن يبدأالمشروع بناءً على حاجة حقيقية في السوق. وإذا وجدت شركة أو مؤسسة مستعدةلشراء المنتج أو الخدمة، يصبح التمويل أكثر أمانًا، ويصبح المشروع أكثر قدرة علىالاستمرار والسداد.

أما بالنسبة إلى الحفاظ على أموال الصندوق، فينبغي ألا يكون الهدف هو تجنبالمخاطر بشكل كامل، لأن تمويل المشاريع الريادية بطبيعته يحمل درجة منالمخاطرة، وإنما يجب إدارة هذه المخاطر بطريقة ذكية. ويمكن تحقيق ذلك من خلالتنويع المشاريع والقطاعات والمحافظات، وعدم وضع مبالغ كبيرة في مشروع واحد،وتخصيص جزء من المحفظة كاحتياطي لمواجهة التعثر، إضافة إلى استخدام الضمانالجزئي بدلًا من اشتراط ضمانات كبيرة قد تحرم الشباب الذين لا يمتلكون أصولًا منالحصول على التمويل.

كما يمكن اعتماد نظام حوافز للمشاريع الملتزمة بالسداد. فالشاب الذي يثبت نجاح مشروعه  ويحافظ على انتظامه المالي ويخلق فرص عمل جديدة يمكن أن يحصل على تسهيلات  إضافية عند التوسع أو على تمويل جديد بشروط أفضل. وبهذا يصبح الالتزامعنصرًا يجلب مزيدًا من الفرص بدلًا من أن يكون مجرد واجب مالي.

ومن الأفكار المهمة كذلك ربط التمويل بعدد فرص العمل التي يستطيع المشروعتوفيرها. فنجاح الصندوق لا ينبغي أن يقاس بعدد القروض التي قدمها، وإنما بعددالمشاريع التي استمرت، وعدد فرص العمل التي خلقتها، وحجم النشاط الاقتصاديالذي ولدته في المحافظات. فقد يكون مشروع واحد ناجح قادرًا على تشغيل عشرة أوعشرين شابًا أكثر أهمية من تمويل عشرات المشاريع التي لا تستمر.

كما ينبغي إعطاء اهتمام خاص للمشاريع التي تستفيد من الموارد المحلية في كلمحافظة. فلكل محافظة في الأردن ميزاتها وإمكاناتها؛ فهناك محافظات تمتلك فرصًاكبيرة في الزراعة والصناعات الغذائية، وأخرى لديها إمكانات سياحية أو حرفية أوصناعية أو تكنولوجية. ومن الأفضل أن يتم توجيه التمويل وفق دراسات حقيقيةلاحتياجات كل محافظة، بدلًا من تطبيق نموذج واحد على جميع المناطق.

إن الفكرة الأساسية التي ينبغي أن تحكم عمل صندوق تنمية المحافظات هي أن المالالعام يجب أن يبقى قادرًا على خدمة المجتمع لأطول فترة ممكنة. فإذا تم تقديمالتمويل على شكل منح غير مستردة، فإن رأس المال ينخفض مع مرور الوقت. أما إذاتم بناء صندوق دوّار يقوم على التمويل والسداد وإعادة التمويل، فإن رأس الماليستطيع أن ينتقل من مشروع إلى آخر، ومن جيل من الشباب إلى جيل آخر، مع تحقيقأثر اقتصادي متراكم.

ومن الممكن أن يبدأ الصندوق بمحفظة تجريبية مخصصة لشباب المحافظات، يتمتقييم نتائجها بعد فترة محددة، ثم تطوير النموذج بناءً على البيانات الفعلية. ولا ينبغيأن يكون التقييم قائمًا فقط على نسبة السداد، بل أيضًا على استمرار المشاريع، ونموالمبيعات، وعدد العاملين، ونسبة المشاريع التي توسعت، ومدى استفادة الاقتصادالمحلي من هذه المشاريع.

وفي النهاية، فإن دعم شباب المحافظات لا يجب أن ينظر إليه باعتباره مجرد برنامج اجتماعي  لمساعدة الباحثين عن عمل، وإنما باعتباره استثمارًا اقتصاديًا طويل الأمد في الإنسان  والمكان. فالشاب الذي يحصل على فرصة لإنشاء مشروع ناجح لا يغير حياتهفقط، وإنما قد يخلق وظائف لأبناء منطقته، ويشتري من موردين محليين، ويدفعالضرائب والرسوم، وينشط الأسواق، ويشجع شبابًا آخرين على المبادرة.

إن التحدي الحقيقي أمام صندوق تنمية المحافظات ليس في كيفية إنفاق الأموال،وإنما في كيفية تحويل كل دينار يتم استثماره إلى قيمة اقتصادية تتكرر مرات عديدة. ولذلك فإن النموذج الأفضل هو الذي يجعل المال ينتقل من الصندوق إلى الشاب،ومن الشاب إلى المشروع، ومن المشروع إلى فرص العمل والإنتاج، ثم يعود جزء منالعائد إلى الصندوق ليبدأ دورة جديدة مع شاب آخر.

وبهذه الرؤية يمكن لصندوق تنمية المحافظات أن يصبح أكثر من مجرد جهة تمويل؛يمكن أن يتحول إلى محرك حقيقي لريادة الأعمال في المحافظات، وإلى شريك للشباب  في بناء مشاريعهم، وإلى أداة لضمان بقاء رأس المال التنموي ودورانه بين أبناء ان يحصلوا  المجتمع. فالهدف النهائي ليس أن يحصل الشباب على قروض فحسب، وإنما أن يحصلوا  على فرصة حقيقية للنجاح، وأن يصبح نجاحهم مصدرًا لنجاح مشاريع أخرى،بحيث يتحول صندوق المحافظات إلى رأس مال وطني متجدد يخدم الشباب والاقتصاد  الأردني لسنوات طويلة.

قد يعجبك ايضا