كيف سيتعامل الأردن مع الأدوار المتغيرة بالإقليم؟
راكان السعايدة
لا شيء في الشرق الأوسط سيبقى على حاله، كل شيء فيه يصاغ ويعاد تشكيله منجديد؛ أوزان الدول ونفوذها وأدوارها، وإلى أن ينتهي ذلك، فإن أحداً لا يستطيع أن يتنبأبما ستؤول إليه الأمور، من سيربح ومن سيخسر.
لا يعني هذا، بطبيعة الحال، أن تقف الدول متفرجة، وتنتظر أن تعرف موقعها في الإقليمالجديد، فحماية مصالحها تلزمها الاشتباك مع المتغيرات، وإلا سيحدد لها الفاعلونالآخرون ذلك؛ المصالح والمكانة والوظيفة والدور.
أين الأردن من ذلك..؟
لا بد أن الأردن يقيّم ويفهم متغيرات الإقليم، ويعلم أن المحافظة على موقعه فيالترتيبات الجديدة يحتاج منه أن يحسم مسألتين مهمتين وملحّتين في آن:
الأولى: هل وظيفته التقليدية ودوره، ما يزالان قائمين كما عرفهما من قبل؟ أم أنتسارع متغيرات الإقليم تدعوه إلى إعادة تعريف الوظيفة وإعادة إنتاج الدور..؟
والأخرى: هل مؤسساته، على ما هي عليه الآن، مدركة لعمق المتغيرات ومستوعبةإياها، وقادرة على إعادة التكيف للتعامل مع أدوار جديدة؟
هذه أسئلة ضرورية، وإجابتها كذلك، لأنها الأساس الموضوعي لفهم واقع الأردنحاضراً، وما يمكن أن يكون عليه مستقبلاً.
تاريخياً، كان الأردن، بحكم الجغرافيا، نقطة ارتكاز مهمة في أمن الإقليم واستقرارهوتوازناته، فموقعه المتوسط بين السعودية والعراق وسوريا وفلسطين و”إسرائيل”،وعلى تقاطع أقاليم، فرض عليه وظائف وأدواراً لم تكن منفصلة عن موقعه الجغرافي،ولا عن طبيعة الإقليم من حوله.
أيّ أن جغرافية الأردن، وإن جعلته “دولة عازلة” بين أزمات وصراعات المنطقة، فهيذاتها جعلته بوابة بين أهم دول الإقليم، وحليفاً موثوقاً للغرب، ووسيطاً مؤثراً فيملفات إقليمية.
جغرافية الأردن لم تكن مجرد حدود مرسومة على خريطة، وإنما كانت، في بعض أهمجوانبها أحد المصادر التي منحت عمّان دوراً ومكانة، وسبباً لشبكة تحالفات وعلاقاتإقليمية ودولية واسعة.
ولهذا، ربما، شكّل عدم استقرار الإقليم، دافعاً لأن يكون الأردن آمناً ومستقراً كحاجةخارجية.. بمعنى أن المسألة لم تكن شأناً أردنياً خالصاً، بل جزءاً من معادلة أشملتتعلق بأمن الإقليم واستقراره.
بقي الحال هكذا، إلى أن بدأت تحولات كبرى مع “طوفان الأقصى”، الذي شكل مفصلاًرئيسياً أدخل المنطقة مرحلة مختلفة، ما تزال تداعياتها تتفاعل.
يفهم الأردن هذا تماماً، ويفهم أن ما يحدث من تحولات وصراعات متسلسلة تمتدآثارها لتطاول الجميع، وأن الإقليم الذي يعاد تشكيله، قد ينتهي إلى جغرافيا سياسيةمختلفة، تتبدل فيها أوزان الدول ومواقعها والمهام التي كانت تؤديها.
لأن الشرق الأوسط الذي أنتج هذه الوظائف وتلك الأدوار لم يعد هو نفسه.
ألا نرى أن سوريا تتغير وتسعى إلى أن تكون لاعباً، والعراق حائر يحاول تعريف موقعهالإقليمي، والخليج قلق ويريد إعادة ترتيب أولوياته ومراجعة شبكة علاقاته، وتركياوجدت فرصتها لتتقدم في المنطقة، وإيران تحاول المحافظة على نفوذها وأدواته،وترى أن عندها فرصة لتصبح قوة إقليمية نافذة، “إسرائيل” المأزومة تعمل على تغييرالوقائع الإقليمية، سياسياً وأمنياً وجغرافياً، ليس أقلها في الضفة الغربية والقدس وغزة،والبيئة المحيطة بالأردن.
أيضاً، لم تعد أميركا تدير الإقليم بالطريقة التي اعتدناها، بل إن نفوذها آخذ بالتآكلالتدريجي، وموقعها العالمي يتزعزع، في وقت تزداد أدوار قوى دولية متحفزة مثلالصين وروسيا.
الأصل أن هذه المعطيات، بما فيها من مفارقات، تبرهن لنا أن الأدوار والوظائف التيتشكلت في أوقات ومراحل سابقة ليست، بتقديري، هي ذاتها التي سيحتاجها الإقليم فيالمرحلة المقبلة.
ذلك أن الصراع بين القوى الفاعلة لم يعد على الأراضي فقط، بل أيضاً على الممرات،وسلاسل الإمداد، ومصادر الطاقة، والعمق الاستراتيجي، ومواقع النفوذ.
وإلّا، كيف نفسر الصراع على سوريا بين تركيا و”إسرائيل”، والتنافس والصراع حولمضيق هرمز بين أميركا وإيران، والصراع في البحر الأحمر وباب المندب، وما تفعله“إسرائيل” في الضفة الغربية وغزة وجنوب لبنان؟.
ما نقصده هنا أن الدول الفاعلة والمؤثرة في الإقليم لا تنظر إلى متغيراته كمسألةعابرة، وإنما كمتغيرات جوهرية لا بد أن تشتبك معها لحماية مصالحها، وضمانأدوارها، ومنع خصومها من تحقيق مكاسب استراتيجية على حسابها.
وهذا، على الخصوص، ما يجب أن يقرأه الأردن بدقة في متغيرات الإقليم، ويضع لهاتقييمات موضوعية وعميقة ليعرف كيف تتغير مصالح أطرافه، وكيف تنعكس تحركاتهاعلى موقع الأردن ودوره.
إن فهم ما يحصل حولنا وإدراكه شرط ضروري لفهم إن كان دور الأردن الذي تشكّل عبرتاريخه ما يزال مناسباً للمرحلة الجديدة، أم أن بعض مكوناته آخذة بالتغير، وتحتاج أننعيد تعريفها ومن ثم إنتاجها.
أي أن يتحول الأردن من التعامل مع موقعه الجغرافي كحقيقة تفرض عليه أدواراً، إلىميزة وأصل استراتيجي يمكن توظيفه لبناء أدوار جديدة، يتم إنتاجها ذاتياً وليستمفروضة من خارجه.
فقط، المطلوب أن يعيد تقديم نفسه، ليس بوصفه دولة آمنة ومستقرة وضرورة فيتوازن الإقليم وحسب، وإنما باعتباره، أيضاً طريقاً موثوقاً للتجارة، وممراً آمناً للطاقة،وبيئة جاذبة للتكنولوجيا، وأرضاً واعدة للاستثمار، وعقدة للنقل والربط الإقليمي.
وكذلك، بوصفه مساحة آمنة ومستقرة بمقدورها أن تلعب دوراً في تخفيف آثارالنزاعات والصراعات، ومساحة للوساطة والحوار، ومحوراً إجبارياً في أي ترتيباتإقليمية على أساس الاستقرار والتوازن والمصالح المشتركة.
فالأردن ليس مجرد دولة حكمت عليها الجغرافيا أن تتلقى آثار تحولات الإقليم وتديرمخاطرها، وإنما دولة بمقدورها أن تدير، أيضاً، الفرص التي تتيحها هذه التحولات،وتحوِّل موقعها واستقرارها وعلاقاتها إلى قيمة استراتيجية يحتاجها الآخرون.
ما الذي يقتضيه ذلك أردنياً..؟
ببساطة، إن إعادة تعريف الأردن لدوره وتقديم نفسه للمنطقة والعالم بمفهوم جديد،يحتاج أمرين:
أولاً: بيئة سياسية واقتصادية داخلية داعمة، وخطاب سياسي متماسك وقوي،ودبلوماسية نشطة ومبادِرة تعرض ما يستطيع أن يقدمه انطلاقاً من موقعه واستقرارهوقدراته.
وثانياً: مؤسسات تلتقط المتغيرات وتستوعب تداعياتها، وعلى أساس من ذلك تعيدتعريف مهمتها وتحديد خياراتها وأدواتها الجديدة.
بمعنى: أن تكون المؤسسات قادرة على الانتقال من مفهوم وعقلية إدارة الدور القائم،إلى مفهوم وعقلية إنتاج الدور الذي تحتاجه المرحلة المقبلة.
ولكن من دون أن نخطئ التقدير ونعتقد أن الأردن مُطالب بترك أو إلغاء دوره التقليدي،أو أن يتنصل من موقعه الجغرافي، لكنه يحتاج أن يجيب سؤالاً: هل ما كان مطلوباً منهفي الواقع الإقليمي السابق، هو نفسه ما سيُطلب منه في الإقليم قيد التشكل الآن؟
إذا كانت الإجابة “لا”، فإن إعادة تعريف الدور تصبح ضرورة ملحة، لا خياراً يمكنتجاهله..
فالأصعب، ولن أقول الأخطر، ليس في أن يتغير الإقليم، بل في بقاء الأردن يتعامل معهبذات الأدوات والأفكار والتصورات السابقة. رد