الإعلام إذ لا ينسى
د.رشا سلامة
يبدو أن الويل هو نصيب من يقع في قبضة الإعلام بمحض الصدفة؛ فالشخص الذي يجد نفسه، من دون تخطيط أو رغبة، في دائرة الضوء، قد يكتشف أن سيرته المحرجة أو المؤلمة لن تغادره بسهولة، وأن ما حدث له في لحظة عابرة يمكن أن يظل ملازماً لاسمه سنوات طويلة، من دون أن يلتفت كثيرون إلى ما يُعرف بمبدأ الحق في النسيان.
وبمعنى مبسّط، فإن الحق في النسيان يعني أن يكون للإنسان نصيب من النسيان، وألا تبقى سيرته مفتوحة للاستدعاء كلما وجد الإعلام مناسبة لإعادة الحديث عنها، خصوصاً حين يتعلق الأمر بأمور ذات حساسية اجتماعية أو سلوكية أو أمنية. ويمتد الأمر كذلك إلى المعلومات المتداولة على شبكة الإنترنت، بحيث لا يبقى الإنسان أسيراً لسجل رقمي يستعيد واقعة قديمة، ويمنعه من تجاوز مرحلة يفترض أنها انتهت، ومن أن يبدأ حياته بعيداً عن ظلها.
كثيرون وجدوا أنفسهم في مرمى الإعلام ولم يجدوا بعد ذلك طريقاً سهلاً للخروج منه. فالإعلام، لا سيما الإلكتروني، قد يواصل ملاحقة أخبارهم وتفاصيل حياتهم، وكأن الواقعة التي دفعت بهم إلى الواجهة أصبحت هويتهم الوحيدة. ومن هؤلاء «فتى الزرقاء»، الذي خرج من حادثة شديدة القسوة حاملاً ذكرى مؤلمة له ولأسرته. وكان الأجدر أن يُترك له المجال ليتعافى ويتجاوز آثار ما جرى، اجتماعياً ونفسياً، لا أن تظل الأخبار تعيده إلى الواجهة كلما استجدّ جديد ما في حياته كتخرجه من الجامعة مؤخرا. والأكثر دلالة أن اسمه نفسه يكاد يغيب لحساب الصفة التي التصقت به: «فتى الزرقاء»، وكأن الشخص يمكن أن يُختزل في واقعة واحدة، وكأن حياته بعد تلك الحادثة لا تستحق اسماً جديداً أو بداية مختلفة.
وفي واقعة أخرى، وجد والدا الطفل المغربي ريان نفسيهما في مواجهة الأثر ذاته بعد الحادثة المأساوية التي انتهت بوفاة طفلهما إثر سقوطه في بئر عميقة شمال المغرب. كان اهتمام وسائل الإعلام بهما كبيراً خلال الأزمة، وهو أمر يمكن تفهمه في سياق متابعة حادثة شغلت الرأي العام، لكن إعلان الوفاة لم يكن كافياً، على ما يبدو، لإغلاق الملف إعلامياً. فقد ظل الوالدان حاضرين في التغطيات، في وقت كان يفترض أن تُمنح لهما فرصة الانسحاب من المشهد، والحزن بعيداً عن الكاميرات والأسئلة والتذكير المتكرر بالفاجعة.
لا يحتاج الإعلامي، في كثير من هذه الحالات، إلى نص قانوني يحدد له اللحظة التي ينبغي فيها أن يتوقف؛ إذ يكفي أن يحتكم إلى شيء من الحس الإنساني، وإلى قدر من المنطق، ليعرف أن لكل قصة نهاية، وأن لكل إنسان حقاً في أن يترك خلفه ما يؤلمه أو يحرجه. ويصبح هذا الأمر أكثر إلحاحاً عندما يتعلق الحديث بالسمعة الشخصية، والعلاقات الخاصة، أو الاعتداءات الجسدية والجنسية، أو غيرها من الوقائع التي تحمل في تفاصيلها ألماً بالغاً. فليس كل ما يمكن نشره ينبغي أن يبقى منشوراً، وليس كل ما يثير الفضول يصلح أن يكون مادة إعلامية إلى ما لا نهاية.
سابقا، كان الدافع الإعلامي بيع المزيد من النسخ لإسكات اللهاث وراء الأخبار المثيرة. أما في زمن المنصات الرقمية، فقد أصبحت المشاهدات والأرقام وحجم التفاعل هي الغاية التي تدفع أحياناً إلى إعادة إنتاج القصة نفسها بطرق مختلفة. والأسوأ أن المجال لم يعد حكراً على الصحفيين والمؤسسات الإعلامية؛ فقد أصبح كل مستخدم قادراً على نشر معلومة أو صورة أو مقطع، والمساهمة في إعادة قصة شخص ما إلى الواجهة، من دون أن يكون قد تلقى تدريباً مهنياً أو تعلّم شيئاً عن المسؤولية الأخلاقية المترتبة على النشر.
تبدو الحاجة ملحّة إلى نشر الوعي بمفهوم الحق في النسيان، خصوصاً بعدما أصبحت منصات التواصل ومحركات البحث جزءاً من صناعة الذاكرة العامة. فالخطر لا يكمن في نشر قصة مؤلمة فحسب، وإنما في قدرة الإنترنت على إبقائها حية وقابلة للاستدعاء بعد سنوات، بحيث يجد الإنسان نفسه عاجزاً عن التخلص من أثر مرحلة لم يعد يريد أن تكون عنواناً لحياته.العد